اشتملت هذه الآيات على أربعة أوامر ، أمر اللّه عزّ وجلّ بها رسوله ما يجب عليه أن يقوله للنّاس ، ليعلمهم بها أنّه مثلهم بالنّسبة إلى التّكاليف الدّينية الموجّهة لهم من اللّه ربّ العالمين .
الأمر الأوّل : دلّ عليه قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ .
( 11 )
العبادة : الخضوع والطّاعة والقيام بما يرضي المعبود ، وترك ما لا يرضيه ، ورأس العبادة الدّعاء بالغيب ، لتحقيق مطالب الدّنيا والآخرة .
والعبادة لا تكون إلّا للرّبّ جلّ جلاله ، فهو وحده الّذي يستحقّها ، لأنّه هو وحده الرّبّ الخالق المالك .
والإخلاص للّه في الدين : هو جعل أعمال الدّين خالصة صافية منقّاة من الشّرك والرّياء ومن شوائبهما .
يقال لغة : « أخلص الشّيء » أي : صفّاه ونقّاه من شوائبه .
الدّين : الطّاعة والانقياد ، يقال : « دان نفسه » أي : أذلّها وطوّعها .
ويأتي الدّين بمعنى الجزاء ، ومنه « يوم الدين » .
والدّين للّه : الطّاعة والتّعبّد له مع الخضوع والذّلّ والإذعان له بربوبيّته وسلطانه جلّ جلاله ، والإذعان لحقّه في الإلهيّة الّتي لا يشاركه فيها شريك .
فالمعنى : قل يا أيّها الرّسول معلنا للنّاس جميعا : إنّي مأمور من قبل ربّي الّذي أرسلني بالرّسالة الخاتمة لرسالاته للنّاس ، بأن أعبد اللّه وحده مخلصا له ديني ، جاعلا كلّ أعمالي التّعبّديّة خالصة له ، صافية منقّاة من الشّرك والرّياء ومن شوائبهما .
فأنا مطالب بالإخلاص للّه في عبادتي مثلما أنّكم مطالبون به ، وليس لي إعفاء خاصّ من هذا التكليف باعتباري نبيّا ورسولا .