إنّهم يقولون بوقاحة عناديّة عجيبة : إنّ اللّه ما أرسل إليهم قبل محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا مبلّغا ومعلّما وداعيا إلى ربّه وهاديا ، ومبشّرا من آمن وأطاع بخلود يوم الدّين بجنّات النّعيم ، ومنذرا من كفر وعصى بخلود في دار العذاب النّار يوم الدّين .
إنّهم يقولون هذا القول الوقح القائم على المكابرة ، مع افتخارهم بجدّهم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السّلام ، وإيمانهم بأنّهما نبيّان ورسولان ، وهم يعلنون أنّهم وارثوا مناسك الحجّ عنهما .
ومعلوم أنّ إسماعيل عليه السّلام كان رسولهم ، ورسولا لجميع القبائل العربيّة ، ويأتيهم في كلّ عام حاجّون وحاجّات منها اتّباعا لشريعة إسماعيل عليه السّلام .
وجاء التّعليق الرّبّانيّ على هذه المقولات الكاذبات بقول اللّه عزّ وجلّ :
*
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
( 45 ) :
معشار الشّيء : جزء من عشرة منه ، والمراد هنا التقليل .
أي : كذّب هؤلاء وكذّب الّذين كفروا من قبلهم ، كعاد ، وثمود ، وفرعون وملئه وجنوده بالحقّ ، وما بلغ ما آتينا كفّار قريش معشار ما آتينا الّذين من قبلهم ، من سلطان وقوّة وأموال ومنعة وأنصار ، فأرسلت لأولئك المكذّبين السّابقين بالحقّ رسلي ، فكذّبوهم ، ولم يعبؤوا بما آتيت رسلي من آيات بيّنات ، ومعجزات عظيمات ، فأهلكتهم ، وقد بيّنت قصص إهلاكهم في سوابق نجوم تنزيل القرآن ، فكيف كان إنكاري التّطبيقيّ لتكذيبهم ؟ ! ألم يكن إنكارا ساحقا ماحقا ؟ ! !
*
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ؟ :
أي : فكيف كان عقابي . إنّ إنكار القدير على المعاقبة والانتقام يدلّ على عقابه وانتقامه .