تجعل محمّدا يخفّف من نشاطه في دعوته ، بما ينزل به من حزن وغضب ، فقد جاء في أوائل السّورة بيان هذا في قول اللّه عزّ وجلّ :
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 7 ) .
لقد وصلوا في الوقاحة إلى دركة مواجهة الرّسول بالشتيمة ، مؤكّدين فيها أنّه لمجنون ، بالمؤكدات : « إنّ - والجملة الاسمية - واللّام المزحلقة » .
الأذيّة الثّانية : الاستهزاء به علنا في المحافل والمجامع العامّة ، بغية صدّه عن دعوتهم إلى دين اللّه الحق ، وعن دعوة جماهيرهم الّذين يتأثّرون بهم ، أو بغية استثارة غضبه إزعاجا وإيلاما ، وربّما قابل شتائمهم بمثلها ، فتكون هذه المقابلة بمثابة الشّاهد على صحّة اتّهامهم له بالجنون ، وربّما كان التّشاتم مفتاحا لصراع جسديّ ، هم فيه حينئذ أكثر قدرة عليه ، وأكثر أنصارا .
مع ما في الاستهزاء من صدّ جماهيرهم عن الاستماع إليه وعن اتّباعه ، لما في الاستهزاء العامّ من إيحاء خبيث في نفوس الجماهير ، يشعرهم بأنّ من يوجّه الاستهزاء ضدّه جدير بأن يستهزأ به .
فقد جاء في أوائل السّورة بيان استهزائهم هذا في قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ( 10 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 11 ) :
أي : فاستهزاء هؤلاء بك له نظائر في كفّار الأوّلين برسل ربّهم ، فاصبر كما صبروا ، ولا تكترث لاستهزائهم ولا تعبأ به .