الجيزة ( 1 ) ، في دفع جميع ما يحتاجون إليه من المال ، والنفقات ، والصرف .
فأقام القوم يعملون ، إلى أن ظهرت لهم ( 21 ) العلامات ، فركب أحمد بن طولون ،
حتى وقف على الموضع ، وهم يحفرون ، فجدوا في الحفر ، وكشفوا عن
حوض مملوء دنانير ، وعليه غطاء مكتوب عليه بالبربوية ( 2 ) ، فاحضر من قرأه ،
ففسره ، فقال :
( أنا فلان بن فلان ، الملك الذي ميز الذهب من غشه ، ودنسه ، فمن أراد
هامش
( 1 ) قيل هي القرية المجاورة لمصر القاهرة ، وقد بنى في أرضها اليوم
( الجامعة المصرية )
( 2 ) قال ياقوت : ( البرابى بالفتح وبعد الألف باء أخرى ، وهو جمع
بربا كلمة قبطية وأظنه اسما لموضع العبادة ، أو البناء المحكم ، أو موضع السحر .
قيل : لما فرغت ( دلوكة ) ملكة مصر ، بعد فرعون ، من بناء حائطها كما ذكرته
في حائط العجوز ، كانت بمصر عجوز يقال لها ( تدورة ) ساحرة وكان السحرة يقدمونها
في العلم ، والسحر ، فبعثت إليها ( دلوكة ) الملكة وقالت : انا قد احتجنا إلى سحرك
وفزعنا إليك في شئ تصنعيه ، يكون حرزا لبلدنا ، ممن يرومه من الملوك ، إذ كنا بغير
رجال فاجابتها إلى ما أرادت . وصنعت ( البربانية ) بحجارة في وسط مدينة منف وجعلت
له أربعة أبواب ، إلى أربع جهات ، وصورت فيه الخيل ، والبغال ، والحمير ، والسفن ،
والرجال ، وقالت : قد عملت شيئا يهلك به كل من أراد البلد بسوء ، وهو يغنيكم عن الحصون
والسلاح ، ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم ، من أي جهة كان ، فإنهم ان كانوا من البر
راكبين خيلا ، أو بغالا أو حميرا ، أو إبلا ، أو كانوا رجالة ، أو كانوا في السفن ، تحركت
الصور التي تشاكلهم ، وأومأت إلى الجهة التي يجيئون منها فما فعلتم بالصور أصابهم
مثل ذلك ، في أنفسهم على ما تفعلونه بالصور .
ولما بلغ الملوك الذين حلولهم أن أمرهم ، قد صار إلى النساء ، طمعوا فيهم ،
وتوجهوا إليهم ، فلما قربوا منهم تحركت تلك الصور التي في البرابي ، وأومأت إلى
الجهات التي كان منها من يريدهم ، فلما رأوا ذلك أقبلوا يقطعون رؤس الدواب ،
وسوقها وأقفاءها ، وعيونها ، وبقروا بطونها ، وفعلوا بالرجال أيضا ذلك ، فلم يفعلوا
بتلك الصور شيئا ، الا نال مثله القاصدين لهم .
فلما تسامعت الأمم بذلك ، تركوا قصدهم ، والتعرض لهم .
قلت : وبيوت هذه البرابى ، في عدة مواضع من صعيد مصر ، في اخميم ، وأنصنا
وغيرهما باقية إلى الان ، والصور الثابتة ، في الحجارة ، موجودة .
وهذه القصة المذكورة ، قل أن يخلو منها كتاب في اخبار مصر ، فلذلك ذكرت ،
وإن كانت بالخرافات أشبه معجم البلدان ، ج 2 من الطبعة الأولى بمصر ص 95 و 96