إذاً نفس هذه الآية تفتح لنا الباب لقاعدة دينية شريفة أخرى وهو التبرك بمواضع الأنبياء ، ومن هنا يتضح أن نبذ ورفض ذلك هو من صميم الوثن .
ومن ثم قال الإمام الصادق ( ع ) : يا زرارة لا تدع مشهداً من مشاهد رسول الله إلا وأشهده وصلي فيه وهو قوله تعالى :
[ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ]
.
ورب قائل يقول : إن اتخاذ مقام إبراهيم ( ع ) مصلى إنما هو خصوص صلاة الطواف ؟
والجواب : نعم ، صحيح هذا ، ولكن هذا كما يقولون بيان المقاصد الشرعية أو بيان المناسبات الشرعية ، فإن الباري تعالى هو في صدد بيان أن يكون مواضع آثار الأنبياء أماكن للقربات فكيف بقبورهم الشريفة التي فيها أبدانهم الطاهرة ، وبغض النظر عن الأمر الشرعي باتخاذ مقام إبراهيم مصلى ، فنفس استعمال القرآن الكريم ، وإطلاق قوله تعالى على الصخرة أنها مقام إبراهيم فهذا جعل للحقيقة الشرعية ، وجعل الباب الشرعي الذي يصب بنفس القاعدة التي نحن في صددها ، وهو أنه ليس فقط أن مقاماتهم هي مواطن بركة وقربات لله ( عز وجل ) ، فالمورد لا يخصص الوارد ، وإنما هذا تبيان وتعليم من القرآن الكريم .
وكما يقول علماء الأصول فرض الموضوع متقدم على فرض الحكم ، فالموضوع إذاً آخذ في دليل أو نص شرعي أو حكم شرعي يدل على أنه في جعل آخر غير هذا الجعل ، فهذا متقرر شرعاً وإلا فكيف أخذ الموضوع صادقاً ليترتب المحمول ، لأن المحمول يحمله الموضوع ، فلا بد أن يكون الموضوع في رتبة سابقة ، ولذلك عندما يقول الباري :
[ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ] ،
لا بد أنه مفروغ عنه ، فالشارع جعل مقام إبراهيم للعبادة والتقرب ، حينئذ يأتي المحمول وأتخذوا منه مصلى ، فهذا - وأتخذوا من مقام إبراهيم - أتى بعد الفراغ من جعل سابق مقدر دل عليه هذا الدليل وترتب عليه هذا الجعل .
إذاً هذه الآية المباركة لها دلالات من المعاني ، أو معاني من الدلالات أو دلالات ومعاني من الوجوه .