الرابع : عدم مشروعيّة استبداد وانفراد الفقيه في المعرفة والحكومة الدينيّة
إنّ غير المعصوم لا يستطيع الاستبداد والتفرّد لا في المعرفة الدينيّة ولا في إجراء نظام الحكم الإسلامي ، أي لا في تحديد النظريّة ولا في مقام التطبيق ، وذلك لما قرّره الفقهاء في المقام الأوّل من لزوم الرجوع إلى قول اللغويّ وعلوم اللغة المختلفة ، وكذلك الرجوع إلى أهل الخبرة في تقرير ذات المعنى لمفردة الموضوع المأخوذة في النصّ الديني ، ثمّ يقرّر الفقيه محصّل الرؤية والمعني لذلك النصّ فلا يستبدّ المتخصّص في تحديد مجموع المعنى كما لا يستبدّ الفقيه بذلك بل تكون هناك نوع من المشاركة . هذا مضافاً إلى اعتماد المجتهد على علوم عديدة كمقدمات للاستنباط من الرجال والعلوم العقلية وعلم الحديث ، وهذا بخلاف المعصوم فإنه إذا فسح المجال للآخرين فإن الغرض منه هو التربية والتعليم والإفهام .
مضافاً إلى أنّ اللازم في عملية الاستنباط للفقيه هو الفحص - في المسائل النظريّة الّتي يصطلح عليها بالشبهة الحكمية - عن أقوال الفقهاء الأخرى واستقصاء جهودهم العلمية ، إذ رُبّ دليل وقفوا عليه وهو غافل عنه أو مناقشة أبدَوها في دليل لم يلتفت إليها أو تحليل ذكروه لم يتوصل ذهنه إليه ، وعموماً لا استغناء في عملية الاستنباط عن جمع عقول الآخرين وضمّ علومهم إلى بحثه العقليّ والعلميّ .
وهذا بخلاف المعصوم فإنّه محيط بالحقائق كما قال الإمام الرضا عليه السلام :
« الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد له بدل ولا له مثل ولا نظير
، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له والاكتساب بل اختصاص من المفضل الوهاب . فمن ذا الّذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره
، هيهات هيهات
، ضلّت العقول
، وتاهت الحلوم
، وحارت الألباب
، وخسئت العيون
، وتصاغرت العظماء
،