إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً »
« 1 » .
وفي هذين الحديثين الشريفين إشارة واضحة إلى أن العرف وما يتعارف بين الناس ليس هو المدار والميزان بقول مطلق للمعروف ، كما أنّ الرضا العام والسخط العمومي ليس مؤثّر دائم على المعروف أو المنكر ، بل كم من عرف يتكوّن ويبنى على منهج فاسد ومسار شرّ لا خير فيه ، فتنشأ أعراف فاسدة غير صالحة ولكنّها تقمّص بلبوس صالح . وكم من أمر يحظره العرف وينكره وهو أمر حسن وصالح وخير ، إلّاأنّه وشح بين الناس بلباس الشر والسوء . والسبب في ذلك يعود إلى أمور عديدة وكثيرة .
منها ما مرّ من غلبة الغرائز والنزوات والميول الطبعيّة السفليّة بنحو مفرط غير متوازن مع القوى العالية في الروح والنفس .
ومنها : إبهام ماهيات الأفعال مما يوجب ترامي إدراك حكمها بعيداً عن الأحكام البديهيّة وهو يتطلّب استنتاجات عديدة حتّى تنكشف حقيقة حكم الفعل لدى العقل .
وفي الرواية إشارة إلى أنّ مراتب بناء العرف تنطلق في البداية من الرؤى الفكريّة والثقافة المعرفيّة لدى المجتمع وما يسمّى بالقيم ، ثم يأخذ صعيداً آخر وهو دعوة المجتمع فيما بينه إلى السير على تلك الرؤى . وإنّ هنا كصعيد ثالث خطير يستهان به وهو بروز أفعال سيّئة تبدأ في الانتشار في الظاهرة الاجتماعيّة تخالف الأعراف الحسنة . وهذه الظواهر الجديدة السيئة تلحّ على العقل الاجتماعي بالتنظير لها وتبرير رؤى تحسّنها وتعرفنها وترسم الذريعة لاستحسانها وتتراكم الرؤى وتتمازج وتتداخل ، لا سيما مع ترامي حلقات الأفعال والأمور فتصعب الرؤية وتتعقّد وتبهم . كما هو الحال في العصر الحاضر
هامش
( 1 ) الكافي : 5 : 59 .