الجهة الرابعة : من أدلة العامة على سهو النبي ( صلّى الله عليه وآله )
استدل بعض العامة على وقوع السهو من النبي ( صلّى الله عليه وآله ) : بأن اللّه سبحانه أمر النبي ( صلّى الله عليه وآله ) - بعد نسيانه - بعدم القعود مع الظالمين حينما يذكر بقوله تبارك وتعالى :
« وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
« 1 » بعد قوله تعالى :
« وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ »
« 2 » .
وللجواب عن هذه الشبهة نذكر أولًا هذا التنبيه :
إن كلمة النسيان الواردة في القرآن وفي الاستعمالات البلاغية تأتي بمعان ، منها :
1 - ذهاب الفكرة من ذهن الإنسان بعد إدراكها .
2 - الغفلة عن أصل الأمر .
3 - النسيان العملي بمعنى الترك ، أي أن يترك الشيء عملًا فكأنما هو ناس له ، ويستعمل هذا المعنى في القرآن وفي غيره من الاستعمالات العربية كثيراً ، قال اللّه تعالى في حق أهل النار :
« الْيَوْمَ نَنْساكُمْ »
« 3 » أي نترككم ، إذ لا يعقل في حق اللّه سبحانه وتعالى أن ينسى بمعنى الغياب عنه .
والمراد من النسيان في الآية هو المعنى الثالث ، إذ النسيان الحاصل من الشيطان هو الترك لا الغفلة ولا إذهاب الفكرة . وبعد
هامش
( 1 ) . سورة الأنعام : الآية 68 .
( 2 ) . ينقل هذا القول عن الجبائي ، راجع البحار : ج 17 ، ص 98 .
( 3 ) . سورة الجاثينة ، الآية 34 .