العراقي في نهايته :
( كما لا إشكال أيضاً في كون الوجوب المزبور نفسيّاً ؛ لأنّ المعرفة بالمبدأ سبحانه هي الغاية القصوى ، والغرض الأصلي من خلق العباد ، وبعث الرّسل ، كما يُنبئ به قوله تعالى : « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 1 » أي ليعرفون ؛ لأنّ حقيقة العبوديّة هي المعرفة ، ولا ينافي ذلك مقدّمتيها لواجبٍ آخر عقلي أو شرعي كالتديّن والانقياد ونحوه ) ، انتهى كلامه « 2 » .
قد يقال : إنّ وجوب المعرفة ثابت بدليل وجوب أداء شكر المنعم .
وأجاب عنه صاحب « عناية الأصول » : ( بأنّه لا يخلو عن مناقشة ، فإنّ العبد قبل أن يعرف ربّه لا يعلم بوجود مُنعمٍ له كي يُلزمه العقل بمعرفته ، أداءً لشكر بعض نعمائه ، وبعد معرفته له لا يُعقل الالتزام بمعرفته ، سواءٌ كان ذلك أداءً لشكر بعض نعمائه أو لأمرٍ آخر !
والصحيح أن يُقال : إنّ العبد بمجرّد أن التفت واحتمل أنّ له صانعاً قد صنعه ، يلزمه العقل بوجوب معرفته ، لما في تركه من احتمال الضرر ، كما أشير إليه في صدر البحث ) ، انتهى « 3 » .
ولكن يرد عليه : بأنّ درك احتمال الضرر لعدم معرفته ، ليس إلّابواسطة وجوب شكر المنعم الذي من نعمه هو كونه صنيعةً من صنائعه ، فلو التفت إلى صنعةٍ فقد توجّه إلى وجوب شكره لإنعامه ، فاحتمال الضرر يكون رتبةً متأخّراً عن رتبة
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : الآية 56 .
( 2 ) نهاية الأفكار : ج 3 / 188 .
( 3 ) عناية الأصول : ج 3 / 483 .