وأيضاً هذه الآية لاتدلّ على حسن خاتمة أمر جميع المبايعين المؤمنين ، وإن فسق بعضهم أو نافق ، لأنها لا تدلّ على أزيد من أن اللَّه تعالى رضي عنهم ببيعتهم هذه ، أي قبل عنهم هذه البيعة ويثيبهم عليها ، وهذا مشروط بعدم إحداث المانع من قبلهم . والحاصل أن اتصاف الشخص بكونه مرضياً لا يكون إلا بواسطة عمله المرضي ، والعامل لا يتصف بنفسه بهذه الصفة ، فهذه صفة تعرض الشخص بواسطة عمله ، فإذا صدر عنه الفعل الحسن والعمل المرضي يوصف العامل بهذه الصفة أيضاً ، ولا دلالة للآية على أنّ من رضي اللَّه عنه بواسطة عمله يكون مرضياً طول عمره ، وإن صدرت منه المعاصي الموبقة بعد ذلك ، ورضا اللَّه تعالى عن أهل بيعة الحديبية ليس مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد ، والدليل على ذلك قوله تعالى في هذه السورة في شأن أهل هذه البيعة وتعظيمها :
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللَّه يد اللَّه فوق أيديهم فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه اللَّه فسيؤتيه أجراً عظيماً « 1 » .
فلو لم يجز أن يكون في المبايعين من ينكث بيعته وكان رضا اللَّه عنهم مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد لا فائدة لقوله تعالى : فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه .
وأيضاً قد دلّت آيات من القرآن وأحاديث صحيحة على وقوع غضب اللَّه تعالى وسخطه على من يرتكب بعض المعاصي ، ومع ذلك لم يقل أحد بأنّ هذا مانع من حسن إيمانه في المسقبل ، وذلك مثل قوله تعالى في سورة الأنفال :
هامش
( 1 ) الفتح : الآية 10 .