القيديّة في هذا النوع وإن استفيدت من النهي ، إلّاأنّها ليست معلولة للنهي ، بل هي معلولة للملاك الذي أوجب النهي ، فالحرمة والقيديّة معلولان لعلّة ثالثة وهو الملاك ، وسقوط أحد المعلولين بالاضطرار لا يوجب سقوط المعلول الآخر ، فالقيديّة المستفادة من النهي النفسي أيضاً تقتضي القيديّة المطلقة .
قيل : - على ما في تقريرات بعض تلامذة الأستاذ « 1 » - : إنّ الوجوب والحرمة متضادّان ، وقد تقدّم في بحث الضدّ أنّ وجود أحد الضدّين ليس مقدّمة لعدم الضدّ الآخر ، فلا تقدّم ولا تأخّر بينهما ، كما لا تقدّم ولا تأخّر بين وجوديهما ، فإذا كان الأمر كذلك ، استحال أن يكون عدم الوجوب متفرّعاً ومترتّباً على الحرمة ، فلا يكون الدليل دالّاً على الحرمة في مرتبة متقدّمة ، وعلى عدم الوجوب في المرتبة المتأخّرة ، بل تكون دلالته عليهما في مرتبة واحدة ، فالقاعدة الأوّليّة تقتضي سقوط الأمر بالمركّب عند الاضطرار وتعذّر قيدٍ من قيوده دون سقوط التقييد .
ولكن يرد على التقريب الأوّل : الذي ذكره المحقّق الكاظمي رحمه الله « 2 » أنّه وإن كان مقتضى حديث الرفع وما شاكله الوارد في مورد الامتنان ثبوت الملاك والمقتضي ، وإلّا لم يكن رفع الحكم مستنداً إلى الامتنان ، بل كان مستنداً إلى عدم المقتضى ، كما هو واضح .
إلّا أنّ الملاك الذي لا يؤثّر في المبغوضيّة ، لا يكون مانعاً عن صحّة العبادة ، إذ الفعل المشتمل عليه يكون في نفسه جائزاً ، وإذا كان جائزاً لم يكن مانعاً عن التمسّك بإطلاق دليل الواجب لإثبات كونه مصداقاً له .
هامش
( 1 ) وهو الظاهر من « دراسات في علم الأصول » : ج 2 / 28 عند قوله : « وملخّص الكلام في المقام . . » ، بتصرّف .
( 2 ) فوائد الأصول للنائيني : ج 2 / 468 ( وينبغي التنبيه على أمرين : الأمر الأوّل ) عند قوله : « إلّا أن يقال أنالاضطرار والنسيان حيث وردا في حديث الرفع . . » .