أيهذا العزيز قد مسنا الدهر * بضر وأهلنا أشتات
وأبونا شيخ كبير فقير * ولدينا بضاعة مزجاة
قل طلابها فبارت علينا * وبضاعاتنا بها الترهات
فاغتنم شكرنا وأوف لنا الكيل * وصدق فإننا أموات
فلما وصل إليه الشعر ضحك ، وقال : علي بهم . فلما دخلوا قال : أبيتم إلا أن
تضربوا وجهي بسورة يوسف ، والله إني لمضيق ، ولكني أقول ، كما قال الشاعر :
لقد خبرت أن عليك دينا * فزد في رقم دينك واقض ديني
يا غلام ، اقترض لي عشرين ألفا بأربعين ألفا ، وفرقها فيهم .
وحكى ( 1 ) أن المأمون قال يوما لأبي دلف ، وهو مقطب : أنت الذي يقول فيك الشاعر :
إنما الدنيا أبو دلف * عند مغزاه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره
فقال : يا أمير المؤمنين ، شهادة زور ، وقول غرور ، وملق معتف ، وطالب عرض ،
وأصدق منه ابن أخت لي حيث يقول :
دعيني أجوب الأرض التمس الغنى * فلا الكرج الدنيا ولا الناس قاسم
فضحك المأمون ، وسكن غضبه .
وحكى ابنه دلف بن أبي دلف ، قال : رأيت كأن آتيا أتاني بعد موت أبي ، فقال :
أجب الأمير ، فقمت معه ، وأدخلني دارا وحشة ، وعرة سوداء الحيطان ، مقلعة السقوف
والأبواب ، ثم أصعدني درجا فيها ، ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النيران ، وفي أرضها أثر
الرماد ، وإذا أبي عريان ، واضع رأسه بين ركبتيه ، فقال لي كالمستفهم : دلف ؟ فقلت :
نعم ، أصلح الله الأمير ، فأنشأ يقول :
أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم * ما لقينا في البرزخ الخناق
قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا * فارحموا وحشتي وما قد ألاقي
أفهمت ؟ قلت : نعم . ثم أنشأ يقول :
هامش
( 1 ) القصة والشعر في : تاريخ بغداد 12 / 421 ، 422 ، والبيتان اللذان أنشدهما المأمون لعلي بن جبلة ، وهما في
الأغاني 8 / 254 ، والعقد 1 / 307 ، 2 / 166 .