الفرع الثالث : حكم النسب مع تحقّق الاستيلاد بغير الجماع
إذا تحقّق الاستيلاد بغير الجماع سواء كان التلقيح على وجه محلّل أو محرّم ففي النسب تفصيل . ولتحقيق الحال في المقام يقع البحث عن أمرين :
أحدهما : ضابط النسب عرفاً والمعيار في الانتساب إلى الأب وإلى الامّ وبتبعهما إلى سائر الأقارب .
وثانيهما : الضابط للنسب شرعاً ، وأنّه هل يختلف ضابط الشرع في النسب عن ضابط العرف ، أو أنّ المعيار في النسب الشرعي ما هو المعيار للنسب العرفي ؟
الأمر الأوّل : ضابط النسب عرفاً
ضابط النسب عرفاً
الذي يلوح في بادئ النظر هو كفاية الخلق من ماء الرجل في انتساب الولد إليه ، وأنّ المخلوق من نطفة الرجل يعدّ ابناً أو بنتاً له بلا فرق بين تكوّنه في رحم طبيعي أو رحم صناعي ؛ فإنّ التولّد من الرجل باعتبار كون نطفته منشأ للولادة وتكوّن الحمل . وهذا هو القدر المتيقّن من صدق الولادة بالنسبة إلى الأب وصدق الأبوّة .
وأمّا إذا كان التكوّن بسبب غير ماء الرجل ، كما يقال بتكوّن الحمل من بعض خلايا الجسم حيث تزرع في الرحم ، ففي صدق الابوّة بمثله إشكال ، بل ربما يمنع من ذلك . والسرّ في ذلك أنّ صدق الألفاظ منوط بوضعها للمعاني ، وحيث لم يكن الاستيلاد بغير النطفة أمراً معهوداً في عصر التشريع ، ولم يكن متصوّراً للناس سابقاً ، فلم يكن للألفاظ وضع بلحاظه .
وليس هناك حكم عقلي بلزوم تولّد الإنسان من أبوين ، ألا ترى أنّه لو زرعت خليّة امرأة في رحمها فأنتجت ولداً لم تكن الامّ أباً لولدها ، والسرّ في ذلك أنّ الذكورة شرط في صدق الابوّة بحسب المعنى الوضعي .