الأوّل : دعوى معرفة ذلك عن مذاق الشرع المقدّس ، المعلوم بارتكازه في أذهان المتشرّعة .
والثاني : هو حديث وجوب إجابة المضطرّ وإغاثته « من سمع رجلًا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم » .
وهذا الثاني - كما سبق مفصّلًا - لا يختصّ بحفظ الحياة ، بل يعمّ دفع كلّ ضرورة حيث تصدق ، كما أنّ مورد الرواية لا يختصّ بضرورة المسلم بل يعمّ غيره .
وكيف كان فالأوّل دليل لبّي يقتصر فيه على المتيقّن ، والثاني لا إطلاق له لوجوب الإجابة فيما إذا كانت الإجابة بارتكاب فعل محرّم ، فكما لم يحتمل فقيه وجوب الإجابة بما يشمل المحرّم حيث لا تنحصر الإجابة بفعل الحرام بدعوى إطلاق وجوب الإجابة ، والنسبة بينها وبين حرمة كذا هو العموم من وجه ، فكذا لا نحتمل إطلاقه في موارد الانحصار .
والسرّ في ذلك كلّه هو ما أسلفناه من أنّ أدلّة الأحكام الثانوية من قبيل استحباب الوفاء بالوعد ووجوب برّ اليمين والنذر والعهد ، لا إطلاق فيها لإثبات حلّ موضوعاتها كالموعود والمنذور ، وإنّما مساقها الاستحباب والوجوب فيما كان الموضوع حلالًا ، فيستحبّ بالإيعاد ويجب بمثل اليمين ، ومن هذا السنخ من الأدلّة استحباب إجابة المؤمن وقضاء حاجته وإنجاح طلبته . ومن هذا القبيل وجوب إجابة المضطرّ .
والفرق بين إجابة المؤمن وإجابة المضطرّ بالوجوب والاستحباب كالفرق بين الوفاء بالوعد والوفاء بالنذر ، لا يكون فارقاً فيما هو المنساق من موضوع الدليل والمتفاهم منه .
فالمتحصّل : أنّ دليل إجابة المضطرّ لا يعمّ فرض حرمة الفعل في نفسه ، بل يكون دليل الحرمة هو المقدّم ، فضلًا عن أن يزاحمه أو يتقدّم عليه بالأهمّية فيما إذا
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 232
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٢٣٢