الاستدلال على البراءة بحديث « الحجب »
ومنها : ما روي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : « ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم » « 1 » .
ولا يخفى عليك أنّ هذا الحديث لو تمّ دلالته على البراءة لكان في عرض أدلّة الاحتياط ووقع التعارض بينهما ، لا أنّ أدلّة الاحتياط تتقدّم عليه .
وذلك لأنّ مضمونه يساوق مضمون « حديث الرفع « 2 » » ويدلّ على رفع غيرالمعلوم من التكاليف عن العباد ، ووجوب الاحتياط ولو كان نفسيّاً « 3 » لا يقتضي تبدّل التكليف المجهول معلوماً .
إنّما الكلام في دلالته على البراءة .
فربما يقال : إنّ حديث « الحجب » لا يرتبط بالمقام ، فإنّ للَّهتعالى أحكاماً سكت عنها ولم يبيّنها للعباد « 4 » ، إمّا لأجل التوسعة والتسهيل عليهم ، أو لأجل مانع غيرمعلوم لنا ، ولذا ورود في بعض الأخبار : « اسكتوا عمّا سكت اللَّه » « 5 » فقوله عليه السلام : « ماحجب اللَّه علمه عن العباد » يكون بمعنى « ما سكت اللَّه عنه ولم يبيّنه للعباد » .
والكلام في مسألة البراءة إنّما هو في الأحكام التي بيّنها اللَّه للعباد إلّاأنّها لم تصل إلينا وكلّما فحصنا عنها في مظانّها ماوجدناها ، لأنّ الأعداء وغاصبي
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 27 : 163 ، كتاب القضاء ، الباب 12 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 33 .
( 2 ) لأنّ « الوضع » إذا عدّي ب « عن » كان بمعنى الرفع ، فكان معنى الحديث أنّ « ما كان من التكاليف محجوباً عن العباد ولا يعلمونه فهو مرفوع عنهم » وهذا عين مفاد « حديث الرفع » . م ح - ى .
( 3 ) والحقّ أنّ وجوبه طريقي لا نفسي . منه مدّ ظلّه .
( 4 ) فالأحكام على ثلاثة أقسام : أ - ما سكت اللَّه تعالى عنه ولم يبيّنه للعباد ، ب - ما بيّنه ولكنّه لم يصل إلينا ، ج - ما وصل إلينا وعلمنا به ، ومورد أصالة البراءة هو القسم الثاني منها كما لا يخفى . م ح - ى .
( 5 ) عوالي اللئالي 3 : 166 .