ثمّ إنّه قد وقع الكلام في أمور ثلاثة :
الأوّل : في أنّ حجّيّة الظواهر هل هي مشروطة بالظنّ بالوفاق أو بعدم الظنّ بالخلاف ، أم غير مشروطة بشيءٍ منهما ؟
الثاني : في أنّها هل تختصّ بمن قصد إفهامه أو تعمّ غيره أيضاً ؟
الثالث : في أنّها هل تختصّ بغير ظواهر الكتاب أو تعّمها أيضاً ؟
البحث حول الأمر الأوّل
أمّا الأمر الأوّل : فالمشهور أنّ الظنّ الشخصي بالخلاف غير قادح في حجّيّة الظواهر ، فضلًا عن عدم الظنّ بالوفاق .
ولا يصغى إلى كلام من خالفهم ، لاستقرار بناء العقلاء على العمل بظاهر الكلمات في جميع الموارد ، ألا ترى أنّ المولى إذا قال لعبده : « أكرم زيداً » كان ظاهره - وهو وجوب إكرام زيد - حجّةً على العبد ، سواء ظنّ بالوجوب أو بعدم الوجوب أو لم يظنّ بشيء أصلًا ، فلو لم يمتثل الأمر لذمّه العقلاء وعاقبه المولى ، ولا يصحّ اعتذاره بأنّ صيغة « افعل » وإن كانت ظاهرة في الوجوب ، إلّا أنّي لم أظنّ بتعلّق إرادة المولى به جدّاً ، أو ظننت أنّ إرادته الجدّيّة تعلّقت بالاستحباب .
والحاصل : أنّ ظاهر الكلام - سواء كان الحقيقة أو المجاز - حجّة عند العقلاء ، ولا فرق في ذلك بين خصوصيّات المخاطب وحالاته الشخصيّة .
البحث حول اختصاص حجّيّة الظواهر بمن قصد إفهامه
وأمّا الأمر الثاني : فلا ينبغي الشكّ في أنّ ظواهر الكلام حجّة في حقّ من لم يقصد إفهامه ، بل وفي حقّ من قصد عدم إفهامه ، كما أنّها حجّة في حقّ من قصد إفهامه .