العقلاء ، ولا ريب في أنّ طريقتهم في مقام ضرب القانون توجيه الحكم إلىموضوع عامّ ثمّ استثناء ما تقتضي المصلحة إخراجه من ذلك القانون الكلّي .
نعم ، إنّ العقلاء من البشر ربما كانوا يجهلون حين التقنين بموارد الاستثناء بل يعرفونها تدريجاً في مقام العمل وتنفيذ القانون ، بخلاف الشارع ، فإنّه عالم بجميع موارد المصالح والمفاسد ولا تدريج في علمه بالعمومات والمخصّصات ، إلّا أنّ المصلحة قد تقتضي تأخير إبلاغ موارد الاستثناء ، كما أنّها كانت تقتضي بيان الأحكام بالتدريج في صدر الإسلام .
وبالجملة : العقلاء والشارع يشتركان في أنّ طريقتهم في مقام إعطاء القانون توجيه الأحكام إلى الموضوعات العامّة لتكون مرجعاً في موارد الشكّ وحجّة على الموالي والعبيد ، ثمّ العقلاء يخصّصون تلك القوانين بعد علمهم بموارد التخصيص ، والشارع يخصّصها بعد حلول أوان بيان المخصّصات .
ولولا سلوك الشارع مسلك العقلاء في ذلك لحكم بالتناقض بين العامّ والخاصّ ، ضرورة أنّ الموجبة الكلّيّة نقيض السالبة الجزئيّة كما قرّر في المنطق ، فلابدّ من الحكم بتناقض قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » « 1 » مع قوله : « حَرَّمَ الرِّبَا » « 2 » لو رأيناهما من منظر العقل وبحسب الموازين المنطقيّة .
لكنّ الذي يسهّل الخطب أنّ طريقة الشارع هي طريقة العقلاء الذين لا يرون العامّ والخاصّ متناقضين في جوّ التقنين « 3 » ، بل يجمعون بينهما بالجمع
هامش
( 1 ) المائدة : 1 .
( 2 ) البقرة : 275 .
( 3 ) وإن كانا في مقام الإخبار متناقضين ، فإنّ قولنا : « ما جاءني من القوم أحد » يكون نقيضاً لقولنا : « جاءني من القوم زيد » . منه مدّ ظلّه .