والأهوال في غضون حكم الروم ، فعين في عهدهم البطريرق ( بنيامين )
بطريرقا للديار المصرية فأذعن لسلطانه أهل البلاد قاصيها ، ودانيها ،
فتمكن من ارجاع الكنيسة إلى حالتها القديمة ، من حيث النظام والعظمة
وعاش في الإسكندرية آمنا مطمئنا أثناء حكم الفرس .
غير أن حكم الفرس لم يدم في مصر أكثر من عشر سنوات ، فإن
قيام العرب بعد أن جمع الإسلام كلمتهم ، حرم الدولة الفارسية من
خيرة جنودها ، وهيا الفرص للروم لاسترداد بعض أقاليمهم المفقودة
في الشرق ، فقد سار ( هرقل ) مخترقا البلاد السورية إلى مصر وطرد
أعداءه الفرس ، فغادر البلاد معهم البطريرك بنيامين ، الذي كان قد
جلس على كرسيه . فعكر طمأنينة المصريين طرد الفرس من مصر
وعودة الروم إليها ، فعقد بنيامين مجمعا عاما للقسس والرهبان
وأوصاهم بالصبر والجلد والاعتصام في الجبال ، ثم هرب في كنف الليل
إلى وادي النطرون ( 1 ) ومن ثم عادت مصر إلى حكم الروم وتولدت
الاختلافات الدينية من جديد ، فاتخذها هرقل وسيلة لإضرام نيران
الحقد والانتقام التي كانت تتأجج في صدره من جراء ترحيبهم بالفرس
ورضائهم حكمهم ( 2 ) ، فأحل بهم هرقل صنوف الظلم والاضطهاد
لقبول مذهب خلقدونية ، ومن أبى عذب وضرب بالسياط حتى الموت .
هامش
1 - بطلر ص 184 .
2 - يخالف بطلر ( ص 83 - 87 ) بعض المؤرخين مثل ( شارب ) و ( ملن ) في ذلك
ويقول أن المصريين لم يرحبوا بالفرس بل بالعكس لاقوا الأمرين من حكمهم
لأنهم أجهزوا على الإسكندريين ، وقتلوا الآلاف ، الأهلين في الوجهين القبلي
والبحري - وبرهن على صحة دعواه بالإشارة إلى أن ( الأنبا شنوده ) قد تنبأ بما
سوف يحل بالأهلين من جراء غزوة الفرس . وإن الراهب ( بيز نطيوس ) فر من وجه
المغيريين بالوجه القبلي ، وأعلن استياءه الشديد لما حل ببلاده من المصائب ، وما
حاق بقومه من الظلم . ونحن نستبعد ذلك لأن الفرس لم يتعرضوا لديانة
المصريين ، فأثبتوا بطريرقهم . وبعد وفاته عينوا ( بنيامين ) خلفا له . ولم
يتعرضوا لشئ من المباني ، بل زادوا عليها .