الدليل الواضح على أن عمرا أراد أن يقنع الخليفة بأنه مع رفقه ولطفه
بالمصريين لا يستطيع أن يقنعه .
أراد عمر أن يوسع على عمرو لكي لا يتطلع إلى أموال الخراج ،
فكتب إليه كتابا يعلمه بذلك ، ويبين له طريقة توزيع الخراج :
أما بعد فأني فرضت لمن قبلي في الديوان ( أي فرض العطاء )
ولمن ورد علينا من أهل المدينة وغيرهم ممن توجه إليك وإلى البلدان ،
فانظر من فرضت له ونزل بك ، فاردد عليه العطاء وعلى ذريته ، ومن
نزل بك ممن لم أفرض له ، فافرض له على نحو ما رأيتني فرضت
لأشباهه ، وخذ لنفسك مائتي دينار ( 1 ) ولم أبلغ بهذا أحدا من نظرائك
غيرك ، لأنك من عمال المسلمين ، فألحقتك بأرفع ذلك ، وقد علمت أن
مؤنا تلزمك ، فوفر الخراج وخذه من حقه ، ثم عف عنه بعد جمعه ، فإذا
حصل إليك وجمعته ، أخرجت عطاء المسلمين ، وما يحتاج إليه مما لا بد
منه ، ثم انظر فيما بقي بعد ذلك فاحمله إلي ، واعلم أن ما قبلك من أرض
مصر ليس فيها خمس ، وإنما هي أرض صلح ( 2 ) وما فيها للمسلمين
فئ ، تبدأ بمن أغنى عنهم في ثغورهم ( أي المرابطين ) ، وأجزأ ( 3 ) عنهم في
أعمالهم ، ثم اقض ما فضل بعد ذلك على من سمى الله ( 4 ) واعلم يا
هامش
1 - لعل هذا الفرض الذي فرضه لعمرو هو جرايته ( مرتبه ) على عمله لا فرض
العطاء إذ إن عمر كان يجري على العمال جراية هي غير نصيبهم من العطاء ،
وقد ذكر في سراج الملوك أن عمر أجرى على عمار في كل شهر ستمائة درهم
مع عطائه لولاته وكتابه ومؤذنيه ، وأجرى عليه في كل يوم يصف شاة ورأسها
وجلدها وأكارعها ، ومن هنا يعلم أن عماله كان لهم جرايات ، وهي غير العطاء
كما يتضح ذلك من قوله : ( مع عطائه ) .
2 - وهذا يؤيد رأينا بأن مصر فتحت صلحا لا عنوة ، وأن عمر قد أمر بأن يعامل
أهالي المدن التي فتحت عنوة معاملة الصلح ، فشمل ذلك جميع المصريين على السواء .
3 - أقض .
4 - أي في القرآن .