فإن قيل : ما ذكرتموه من جواز التعبد بالقياس بناء على ظن حصول المصلحة
ودفع المضرة ، إنما يحسن إذا لم يكن الوصول إلى ذلك بطريق يقيني ، وأما إذا
أمكن فلا ، وذلك لأنه مهما أمكن الوصول إلى المطلوب بطريق يؤمن فيه من
الخطأ ، فالعقل يمنع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ ، فما لم تثبتوا أنه لم يوجد
دليل شرعي قاطع يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع أمة ، فاتباع الظن يكون
ممتنعا عقلا .
سلمنا أنه لم يوجد دليل قطعي على ذلك ، لكن إنما يسوغ العقل التمسك بالظن
إذا لم يوجد دليل ظني راجع على ظن القياس مفض إلى حكم القياس ، وإلا كان
العمل بما الخطأ فيه أقرب مما ترك وهو ممتنع عقلا .
سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تجويز العقل لذلك ، غير أنه منقوض ومعارض .
أما النقض فبصور : منها أن قول الشاهد الواحد ، بل العبيد والنساء المتمحضات ،
في الحقوق المالية والدماء والفروج ، بل الفساق ، مغلب على ظن القاضي الصدق ،
ومع ذلك لا يجوز له العمل به ،
ومنها أن مدعى النبوة ، إذا غلب على الظن صدقه من غير دلالة المعجزة عليه
لا يجوز اتباعه والعمل بقوله ،
ومنها أن المصالح المرسلة وإن غلبت على الظن لا يجوز العمل بها ،
ومنها أنه لو اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات ، أو ميتة بعشر مذكيات ، لم
يجز مد اليد إلى واحدة منها ، وإن وجدت علامات مغلبة على الظن .
وأما المعارضة فمن خمسة وعشرين وجها :
الأول : قال النظام إن العقل يقتضي التسوية بين المتماثلات في أحكامها ،
والاختلاف بين المختلفات في أحكامها ، والشارع قد رأيناه فرق بين المتماثلات ،
وجمع بين المختلفات ، وهو على خلاف قضية العقل ، وذلك يدل على أن القياس
الشرعي غير وارد على مذاق العقل ، فلا يكون العقل مجوزا له .
الاحكام — صفحة 7
مساهمون: الآمدي
ص٧