السادس عشر : أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية ،
ومقصود الأخرى من أصول الحاجات الزائدة ، فما مقصوده من مكملات الضروريات ،
وإن كان تابعا لها ومقابله أصل في نفسه ، يكون أولى ، ولهذا أعطى حكم أصله
حتى شرع في شرب قليل الخمر ما شرع في كثيره .
السابع عشر : أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين ، ومقصود
الأخرى ما سواه من المقاصد الضرورية ، فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون
أولى ، نظرا إلى مقصوده وثمرته ، من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين ،
وما سواه من حفظ الأنفس والعقل والمال وغيره ، فإنما كان مقصودا من أجله ،
على ما قال تعالى * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( ) .
فإن قيل : بل ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح ، وذلك لان
مقصود الدين حق الله تعالى ، ومقصود غيره حق للآدمي ، وحق الآدمي مرجح
على حقوق الله تعالى مبني على الشح والمضايقة ، وحقوق الله تعالى مبنية على
المسامحة والمساهلة ، من جهة أن الله تعالى لا يتضرر بفوات حقه ، فالمحافظة عليه
أولى من المحافظة على حق لا يتضرر مستحقه بفواته ، ولهذا رجحنا حقوق الآدمي
على حق الله تعالى ، بدليل أنه لو ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي في محل
واحد ، وضاق عن استيفائهما بأن يكون قد كفر وقتل عمدا عدوانا ، فإنا نقتله
قصاصا لا بكفره .
وأيضا فإنا قد رجحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين ، حيث خففنا عن المسافر
بإسقاط الركعتين ، وأداء الصوم ، وعن المريض بترك الصلاة قائما وترك أداء
الصوم ، وقدمنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في صورة إنجاء الغريق وأبلغ
من ذلك أنا رجحنا مصلحة المال على مصلحة الدين ، حيث جوزنا ترك الجمعة والجماعة ،
ضرورة حفظ أدنى شئ من المال ، ورجحنا مصالح المسلمين المتعلقة ببقاء الذمي
بين أظهرهم على مصلحة الدين ، حتى عصمنا دمه وماله مع وجود الكفر المبيح .
قلنا : أما النفس فكما هي متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام ، فهي
متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر ، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه والتصرف
الاحكام — صفحة 275
مساهمون: الآمدي
ص٢٧٥