فإن قيل : الموجود في عصر النبي عليه السلام قادر على معرفة الحكم بالنص
وبالرسول عليه السلام . والقادر على التوصل إلى الحكم على وجه يؤمن فيه الخطأ ،
إذا عدل إلى الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ ، كان قبيحا ، والقبيح لا يكون جائزا .
وأيضا فإن الحكم بالرأي في حضرة النبي عليه السلام ، من باب التعاطي والافتيات
على النبي عليه السلام ، وهو قبيح ، فلا يكون جائزا . وهذا بخلاف ما بعد النبي
عليه السلام .
وأيضا فإن الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي عليه السلام ،
ولو كان الاجتهاد جائزا لهم لم يرجعوا إليه .
وأما ما ذكرتموه من أدلة الوقوع فهي أخبار آحاد لا تقوم الحجة بها في
المسائل القطعية ،
وبتقدير أن تكون حجة ، فلعلها خاصة بمن وردت في حقه غير عامة .
والجواب عن السؤال الأول ما مر في جواز اجتهاد النبي عليه السلام
وعن الثاني أن ذلك ، إذا كان بأمر رسول الله وإذنه ، فيكون ذلك من باب
امتثال أمره ، لا من باب التعاطي والافتيات عليه .
وعن قولهم ( إن الصحابة كانوا يرجعون في أحكام الوقائع إلى النبي عليه السلام )
يمكن أن يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد ، وإن ظهر ،
غير أن القادر على التوصل إلى مقصوده بأحد طريقين لا يمتنع عليه العدول
عن أحدهما إلى الآخر ،
ولا يخفى أنه إذا كان الاجتهاد طريقا يتوصل به إلى الحكم ، فالرجوع إلى
النبي عليه السلام ، أيضا طريق آخر .
وما ذكروه من أن الأخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد ، فهو كذلك ،
غير أن المدعي إنما هو حصول الظن بذلك دون القطع .
قولهم يحتمل أن يكون ذلك خاصا بمن وردت تلك الأخبار في حقه -
قلنا : المقصود من الأخبار المذكورة إنما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في زمن
النبي عليه السلام ، ممن عاصره لا بيان وقوع الاجتهاد من كل من عاصره .
الاحكام — صفحة 177
مساهمون: الآمدي
ص١٧٧