وأما الوقوع فيستدعي دليلا ، والأصل عدمه ، وما يتخيل من الأدلة الدالة على
الوقوع وعدمه ، فمع عدم دلالتها في أنفسها ، متعارضة كما يأتي ، وليس التمسك
بالبعض منها أولى من البعض .
فإن قيل : الدليل على أنه لم يكن قبل البعثة متعبدا بشريعة أحد قبله أنه لو كان
متعبدا بشريعة من الشرائع السالفة ، لنقل عنه فعل ما تعبد به واشتهر تلبسه بتلك
الشريعة ومخالطة أهلها ، كما هو الجاري من عادة كل متشرع بشريعة ، وقد عرفت
أحواله قبل البعثة ، ولم ينقل عنه شئ من ذلك .
وأيضا فإنه لو كان متعبدا ببعض الشرائع السالفة ، لافتخر أهل تلك الشريعة
بعد بعثته واشتهاره وعلو شأنه بنسبته إليهم وإلى شرعهم . ولم ينقل شئ من ذلك .
سلمنا أنه لا دليل يدل على عدم تعبده بشرع من قبله ، ولكن لا نسلم عدم الدليل
الدال على تعبده بشرع من قبله . ويدل على ذلك أمران .
الأول : أن كل من سبق من المرسلين كان داعيا إلى اتباع شرعه كل المكلفين ،
وكان النبي عليه السلام ، داخلا في ذلك العموم .
الثاني : أنه ، عليه السلام ، قبل البعثة كان يصلي ، ويحج ، ويعتمر ويطوف
بالبيت ويعظمه ، ويذكي ، ويأكل اللحم ، ويركب البهائم ويستسخرها ،
ويتجنب الميتة ، وذلك كله مما لا يرشد إليه العقل ، ولا يحسن بغير الشرع .
والجواب عن الاعتراض الأول أنه مقابل ، بأنه لو لم يكن على شريعة من
الشرائع ، ولا متعبدا بشئ منها ، لظهر منه التلبس بخلاف ما أهل تلك الشرائع
متلبسون به . واشتهرت مخالفته لهم في ذلك وكانت الدواعي متوفرة على نقله ،
ولم ينقل عنه شئ من ذلك ، وليس أحد الامرين أولى من الآخر .
الاحكام — صفحة 138
مساهمون: الآمدي
ص١٣٨