تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
بدوره عن اختلاف في ذبذبة الفكر بين حدّ المبادئ وبين حدّ المطالب . ولهذا نجد أنّ النزاع في البحث الفلسفي قد لا يرتفع في كثيرٍ من الأحيان ، بخلاف ما عليه الحال في البحث الرياضي . ولو أحضرنا اثنين من كبار الفلاسفة وجمعناهما للبحث في قضيّة من القضايا من الصبح إلى الليل ، فقد لا يصلان إلى حلّ مشترك ، ومن الممكن أنّه لو طال بهما العمر آلاف السنين لما اتّفقا ولبقي كلٌّ منهما على عدم إيمانه بما يطرحه الآخر . ولنأخذ على ذلك مثالًا : فلو قال أحدهما في مقام البرهنة على امتناع التسلسل : إنّ أيّ عددٍ نضع يدنا عليه في السلسلة غير المتناهية فهو متناهٍ ، وهذا حكمٌ على نحو العامّ الاستغراقي ، وهو يستلزم حكماً آخر على نحو العامّ المجموعي ، وهو أنّ المجموع متناهٍ ، فإذا كان أيّ عدد نضع يدنا عليه من هذه السلسلة متناهياً ، للزم منه أن يكون المجموع متناهياً . ويجيبه الآخر بأ نّه لا يدرك ملازمةً بين صدق الحكم على نحو العموم الاستغراقي وبين صدق الحكم على نحو العموم المجموعي ، ويبقى هذا يصرُّ على الملازمة وذاك ينكر . وهذه الدعاوى ليس مردّها إلى العقل الأوّل عندما يتساوى فيها الطرفان ، كما أنّها ليست من قضايا العقل الثاني بالمعنى البرهاني حتّى يقال بوجود حدّ أوسط وإرجاعها إلى قضايا العقل الأوّل ، وإنّما مردّ الاختلاف إلى اختلاف حاصلٍ في القرائح . إلى هنا خلاصة ما ذكرناه في بحث الأصول لدى تعرّضنا لكلام الأخباريّين . وعلى ضوء ما كنّا نقوله هناك ، نثير تساؤلًا حول إمكانيّة تفسير حصول العلم بالعلّيّة على أساس القريحة ، بأن نقول : إنّ الإنسان يحصل لديه العلم بعلّيّة الألِف للباء عند تكرّر اقترانها بها لمرّات عديدة بواسطة حاسّة الشمّ ، وإذا سألته