المسألة السادسة
الذين اتفقوا على امتناع تأخير البيان إلى وقت الحاجة ، اختلفوا في جواز
إسماع الله تعالى للمكلف العام دون إسماعه للدليل المخصص له ( 1 ) .
فذهب الجبائي وأبو الهذيل ( 2 ) إلى امتناع ذلك في الدليل المخصص السمعي ،
وأجازا أن يسمعه العام المخصص بدليل العقل ، وإن لم يعلم السامع دلالته على التخصيص .
وذهب أبو هاشم والنظام وأبو الحسين البصري إلى جواز إسماع العام من لم يعرف
الدليل المخصص له ، وسواء كان المخصص سمعيا أو عقليا . وهو الحق لوجهين :
الأول : إنا قد بينا جواز تأخير المخصص عن الخطاب ، إذا كان سمعيا ، مع
أن عدم سماعه لعدمه في نفسه ، أتم من عدم سماعه مع وجوده في نفسه . فإذا جاز
تأخير المخصص ، فجواز تأخير إسماعه مع وجوده أولى .
الثاني : هو أن وقوع ذلك يدل على جوازه ، ودليله إسماع فاطمة قوله تعالى :
* ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) * ( 4 ) النساء : 11 ) مع أنها لم تسمع بقوله : نحن
معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة إلا بعد حين . وكذلك أسمعت الصحابة
قوله تعالى : * ( اقتلوا المشركين ) * ( 9 ) التوبة : 5 ) ولم يسمع أكثرهم الدليل المخصص للمجوس ، وهو قوله ( ص ) :
سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلا بعد حين ، إلى وقائع كثيرة غير محصورة .
وكل ما يتشبث به الخصوم في المنع من ذلك فغير خارج عما ذكرناه لهم
من الشبه في المسألة المتقدمة ، وجوابها ما سبق مع أنه منتقض بجواز إسماعه العام مع عدم
معرفته بالدليل المخصص ، إذا كان عقليا .
المسألة السابعة
اختلف المجوزون لتأخير البيان عن وقت الخطاب العام في جواز التدريج في البيان :
فمنع منه قوم ، مصيرا منهم إلى أن تخصيص البعض بالتنصيص على إخراجه دون
غيره يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي ، وامتناع التخصيص بشئ آخر وهو
هامش
1 - خلافهم في جواز اسماع الله للمكلف العام دون اسماع ، الدليل المخصص له خلاف
لا جدوى له بعد انقطاع الوحي فلا ينبغي الاشتغال بمثله .
2 - أبو الهذيل هو محمد بن الهذيل بن عبد الله المعروف بالعلاف رأس في الاعتزال
مات 235 أو 236 أو 237 .