فإن قيل : لا يمكن ذلك ، لان لفظ البيان مطلق ( 1 ) فحمله على البيان التفصيلي
يكون تقييدا له ، وتقييد المطلق من غير دليل ممتنع .
قلنا : وإذا كان مطلقا ، فالمطلق لا يمكن حمله على جميع صوره ، وإلا كان
عاما لا مطلقا ، بل غايته أنه إذا عمل به في صورة ، فقد وفى بالعمل بدلالته .
وعند ذلك ، فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على الاجمالي دون التفصيلي يكون
تقييدا للمطلق ، وهو ممتنع من غير دليل . وإن لم يقل بتنزيله عليه ، فلا حجة فيه .
وإن سلمنا أن المراد به البيان الاجمالي والتفصيلي ، غير أنه قد تعذر العمل بظاهر
( ثم ) من حيث إنها تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن ضرورة عود الضمير
إلى الكل ( 2 ) على ما سبق . وذلك خلاف الاجماع . وإذا تعذر العمل بظاهرها
وجب العمل بها في مجازها ، وهو حملها على معنى ( الواو ) كما في قوله تعالى : * ( فإلينا
مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ) * ( 10 ) يونس : 46 ) فإن * ( ثم ) * ها هنا بمعنى ( الواو ) ولاستحالة
كون الرب شاهدا ، بعد أن لم يكن شاهدا .
الحجة الثانية : قوله تعالى : * ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ) * ( 11 ) هود : 1 ) و ( ثم ) للتأخير
ولقائل أن يقول : لا نسلم أن المراد من التفصيل بيان المراد من المجمل والظاهر
والمستعمل في غير ما هو ظاهر فيه ، بل المراد من قوله : أحكمت أي في اللوح
المحفوظ وفصلت في الانزال .
الحجة الثالثة : قوله تعالى : * ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه )
* ( 20 ) طه : 114 ) وأراد به بيانه للناس .
هامش
1 - تقدم لفظ البيان في الآية عام لا مطلق ، لأنه اسم حنس مضاف ، وعليه
فلا يصح ما ذكره الآمدي في الجواب لبنائه على لفظ البيان في الآية مطلق .
2 - القرآن نزل منجما وكلما نزل منه نجم بينه الله بعد نزوله انجازا لوعده وهذا
ما دلت عليه ثم من الترتيب . ولم تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن حتى
يتم نزوله ، وبذلك يتعذر حملها على ظاهرها كما قال الآمدي .