الفصل الخامس ( 1 )
اختلفوا في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة
مساوية له أو راجحة عليه ، هل تنخرم مناسبته أو لا ؟ فأثبته قوم : ونفاه آخرون .
وقد احتج من قال ببقاء المناسبة من وجوه أربعة .
الأول : أن مناسبة الوصف تنبني على ما فيه من المصلحة ، والمصلحة أمر حقيقي
لا تختل ( 2 ) بمعارضة المفسدة . ودليله ( 3 ) أن المصلحة والمفسدة المتعارضتان
إما أن يتساويا ، أو تترجح إحداهما على الأخرى . فإن كان الأول ، فإما أن تبطل
كل واحدة منهما بالأخرى أو أن تبطل إحداهما بالأخرى من غير عكس ، أو لا
تبطل واحدة منها ، بالأخرى الأول محال ، لأن عدم كل واحدة منهما إنما هو
بوجود الأخرى ، وذلك يجر إلى وجودهما مع عدمهما ضرورة أن العلة لا بد
وأن تكون متحققة مع المعلول ، والثاني محال ( 4 ) لعدم الأولوية ، والثالث ( 5 ) هو
المطلوب ، وإن كانت إحداهما أرجح من الأخرى ، فلا يلزم منه إبطال المرجوحة
إلا أن تكون بينهما منافاة ، ولا منافاة ، لما بيناه من جواز اجتماعهما في القسم الأول
ولأن الراجحة منهما إذا كانت معارضة بالمرجوحة فإما أن ينتفي شئ من الراجحة
لأجل المرجوحة ، أو لا ينتفي منها شئ فإن كان الأول ، فهو محال أن تتساويا
لما سبق في القسم الأول ، ولأنه ليس انتفاء بعض الراجح وبقاء بعضه أولى من
العكس ضرورة التساوي في الحقيقة ، وإن تفاوتا ، فالكلام في الراجح كالكلام في
هامش
1 - انظر ص 290 - 206 ج 19 من مجموع الفتاوي لابن تيمية . والجزء الثاني
من الموافقات ومبحث الأوامر والنواهي من الجزء الثالث منها .
2 - لا تختل - الجملة خبر ثان للمصلحة .
3 - ودليله - دليل قوله ( المصلحة امر حقيقي لا تختل الخ .
4 - والثاني محال - تحته صورتان الأولى بطلان المصلحة بالمفسدة دون العكس
والثاني بطلان المفسدة بالمصلحة دون العكس ، وعلة البطلان فيهما واحدة هي
عدم الأولوية .
5 - هو في الحقيقة رابع لما تقدم من أن الثاني تحته صورتان