المسألة الثانية
ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى : * ( وامسحوا برؤوسكم ) * ( 5 ) المائدة : 6 ) مجمل لأنه يحتمل
مسح جميع الرأس ، ويحتمل مسح بعضه ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، فكان مجملا
قالوا : وما روي عنه ( ص ) ، أنه مسح بناصيته ، فهو بيان لمجمل الآية
واتفق النافون على نفي الاجمال ، لكن منهم من قال إنه بحكم وضع اللغة
ظاهر في مسح جميع الرأس ، وهو مذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني
مصيرا منهم إلى أن ( الباء ) في اللغة أصل في الالصاق ، كما سبق تعريفه ، وقد
دخلت على المسح وقرنته بالرأس ، واسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه ، ولهذا ،
لا يقال لبعض الرأس رأس ، فكان ذلك مقتضيا لمسح جميعه لغة ، وهذا ، وإن
كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة ، غير أن عرف استعمال أهل اللغة الطارئ
على الوضع الأصلي حاكم عليه ، والعرف من أهل اللغة في اطراد الاعتبار جار
باقتضاء إلصاق المسح بالرأس فقط ، مع قطع النظر عن الكل والبعض ، ولهذا ، فإنه إذا قال القائل
لغيره امسح يدك بالمنديل لا يفهم منه أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده
بجميع المنديل ، بل إن شاء بكله ، وإن شاء ببعضه . ولهذا ، فإنه يخرج عن العهدة
بكل واحد منهما .
وكذلك إذا قال : مسحت يدي بالمنديل فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله
وببعضه ، غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل أو البعض ، بل بالقدر المشترك
بين الكل والبعض ، وهو مطلق مسح ( 1 ) ويجب أن يكون كذلك ، نفيا
للتجوز والاشتراك في العرف . وهذا هو مذهب الشافعي ، رضي الله عنه ، واختيار
القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري .
وعلى كل تقدير ، فلا وجه للقول بالاجمال ، لا بالنظر إلى الوضع اللغوي
الأصلي ، ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال .
هامش
1 - يظهر لي فرق بين قوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم ) وقول القائل :
امسح يدك بالمنديل ، ومسحت يدي بالمنديل ، فان عرف الاستعمال يدل على أن
القصد بالخطاب في الآية إلى مسح الرأس ، والعضو الماسح وسيلة وان القصد في
طلب مسح اليد بالمنديل والاخبار بذلك إلى مسح اليد ، والمنديل وسيلة فالمنديل
نظير العضو الماسح ، كلاهما آلة للمسح لم تقصد به لنفسها واليد في المثالين نظير
الرأس في الآية وكلاهما مقصود بالمسح ، وكل من وضع اللغة وعرف الاستعمال
يدل ظاهرا على تعميمهما به .