الثالث : أنه لو جاز النسخ مع أن اللفظ للتأبيد ، لما بقي لنا وثوق بوعد الله
تعالى ووعيده ، ولا بشئ من الظواهر اللفظية ، ولا يخفى ما في ذلك من اختلال
الشرائع واتجاه قول الباطنية .
الرابع : أنه يلزمكم على هذا جواز نسخ شريعتكم ، ولم تقولوا به
وأيضا فإنه لو جاز رفع الحكم بعد وقوعه ، فإما أن يكون رفعه قبل وجوده
أو بعد عدمه ، أو في حال وجوده :
الأول محال ، لان رفع ما لم يوجد غير متصور .
والثاني محال ، لان رفع المعدوم ممتنع .
والثالث يلزم منه أن يكون الشئ حالة وجوده مرتفعا ، وذلك أيضا ممتنع .
وأيضا فإن الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا : فإن كان الأول
فقد نهى عن الحسن ، وإن كان الثاني ، فقد أمر بالقبيح .
وأيضا فإنه إما أن يكون طاعة أو معصية : فإن كان طاعة ، فقد نهى عن
الطاعة ، وإن كان معصية ، فقد أمر بالمعصية .
وأيضا فإما أن يكون مرادا أو مكروها : فإن كان مرادا ، فقد صار
بالنهي مكروها ، وإن كان مكروها ، فقد صار بالامر مرادا .
وأما ما ذكرتموه من الدليل السمعي على الجواز العقلي ، فلا وجه له .
أما قوله تعالى * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) * ( 2 ) البقرة : 106 ) فالمراد بالنسخ
الإزالة ، ونسخ الآية بإزالتها عن اللوح المحفوظ .
وأما ما ذكرتموه على الوقوع الشرعي ، فلا نسلم أن شريعة محمد ناسخة لشرائع من تقدم على ما يأتي تقريره .
وأما وجوب استقبال بيت المقدس ، فإنه لم يزل بالكلية ، لجواز التوجه إليه عند الاشكال
ومع العذر ، فكان ذلك تخصيصا لا نسخا .
وأما تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي ( ص ) ، فإنما زالت لزوال سببها ،
وهو امتياز المنافقين من حيث إنهم لا يتصدقون على المؤمنين .
الاحكام — صفحة 119
مساهمون: الآمدي
ص١١٩