وبهذا الصدد يمكن أن نلاحظ موقفه من « صلح الحديبية » « 1 » واحتجاجه على هذا الصلح ، وموقفه من الأذان وتصرّفه فيه بإسقاط ( حيّ على خير العمل ) ، وموقفه من النبي صلى الله عليه وآله حين شرّع ( متعة الحج ) « 2 » إلى غير ذلك من مواقفه الاجتهادية « 3 » .
وقد انعكس كلا الاتّجاهين في مجلس الرسول صلى الله عليه وآله في آخر يوم من أيّام حياته ؛ فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ، قال : « لمّا حضر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب ، قال النبي : هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده . فقال عمر : إنّ النبي صلى الله عليه وآله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب اللَّه . فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم مَن يقول : قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم مَن يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم : قوموا » « 4 » .
وهذه الواقعة وحدها كافية للتدليل على عمق الاتّجاهين ومدى التناقض والصراع بينهما .
ويمكن أن نضيف إليها - لتصوير عمق الاتجاه الاجتهادي ورسوخه - ما حصل من نزاع وخلاف بين الصحابة حول تأمير « أسامة بن زيد » على
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ( 3 - 4 ) : 316 - 317
( 2 ) التاج الجامع للُاصول 2 : 124 ، مسند أحمد 5 : 590 ، الحديث 19340
( 3 ) انظر المستدرك على الصحيحين 2 : 196 ، صحيح البخاري 2 : 252 . وراجع النصّ والاجتهاد : 208 وما بعدها
( 4 ) انظر صحيح البخاري 1 : 37 ، كتاب العلم ، و 5 : 137 - 138