تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( تراث الشهيد الصدر ج 17 ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وإنزال الكتب بوجود اختلاف يجب أن يعالج عن طريق الرسالة السماويّة ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى :
« وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ » .
وهذا الاختلاف الذي ارسل الأنبياء لمعالجته غير الاختلاف الذي نتج عن ظهور النبوّات والأديان في حياة الإنسان ، والذي أشار إليه في الآية الكريمة بقوله تعالى :
« وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ » .
وهذه نقطة جديرة بالدرس أيضاً ، إذ قد تبدو الآية على شيء من الغرابة ، لأنّها ذكرت أنّ الناس كانوا قبل إرسال الأنبياء وإنزال الكتب امّة واحدة ، فمن أين وجد هذا الاختلاف الذي انزل الكتاب وبعث النبيّون لمعالجته ؟ والجواب المقبول عن هذا السؤال هو أن تكون الوحدة التي مرّت بها البشريّة هي بنفسها سبباً للاختلاف ، مثاراً للتفرّق ، فما هي تلك الوحدة التي تكون بطبيعتها مؤدّية إلى الاختلاف والتفرّق ؟ ونحن إذا عرفنا هذه الوحدة نستطيع أن نفهم السبب في تفريع بعث النبيّين وإنزال الكتاب على تلك الوحدة ، فإنّ تفريع ذلك على الوحدة إنّما هو بوصفها سبباً للاختلاف . * * * وتذوب المشكلة إذا عرفنا أنّ تلك الوحدة التي مرّت بها البشريّة في مطلع الحياة الاجتماعيّة هي الوحدة الفطريّة ، لا وحدة الضلال ولا وحدة الهدى ، كما يدلّ على ذلك ما جاء في الحديث عن الإمام الصادق حين سأله سائل عن البشر : « أفضلّالًا كانوا قبل النبيّين أم على هدى ؟ فأجاب : لم يكونوا على هدى ، كانوا على فطرة اللَّه التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق اللَّه ، ولم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم اللَّه ، أما تسمع بقول إبراهيم :
« لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ