ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
« 1 » .
وممّا يبهر الملاحظ أنّ القصص الحقّ في القرآن لا يمكن أن تكون مجرّد استنساخ لما جاء في كتب العهدين ، حتى لو افترضنا أن أفكار هذه الكتب كانت شائعةً ومنتشرةً في الوسط الذي ظهر فيه النبي ؛ لأنّ الاستنساخ يمثّل دوراً سلبياً فقط ، دور الأخذ والعطاء ، بينما دور القرآن في عرض القصّة إيجابي ، فإنّه يصحّح ويعدّل ويفصّل القصة عمّا ألصقت بها من ملابسات لا تتّفق مع فطرة التوحيد والعقل المستنير والرؤية الدينية السليمة .
ومنها : أنّ القرآن بلغ في روعة بيانه وبلاغته وتجديده في أساليب البيان إلى درجة جعلت منه - حتى من وجهة نظر غير المؤمنين بربّانيته - حدّاً فاصلا بين مرحلتين من تاريخ اللغة العربية ، وأساساً لتحوّل هائل في هذه اللغة وأساليبها .
وقد أحسّ العرب الذين حدّثهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالقرآن بأنّه لا يشبه إطلاقاً ما ألِفوه من أساليب البيان ، وما نشأوا عليه وأتقنوه من طرائق التعبير ، حتى قال قائلهم حين استمع إلى القرآن :
« والله لقد سمعت كلاماً ما هو من كلام الإنس ، ولامن كلام الجنّ ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّه ليعلو وما يُعلى ، وإنّه ليحطم ما تحته » « 2 » .
وكانوا لا يسمحون لأنفسهم بالاستماع إلى القرآن ؛ إحساساً منهم بأثره الهائل ، وخوفاً من قدرته الفائقة على تغيير نفوسهم ، وهذا دليل على التميّز الهائل للبيان القرآني ، وعدم كونه استمراراً متطوّراً لِمَا ألِفوه .
هامش
( 1 ) القصص : 44 - 46 .
( 2 ) القائل هو الوليد بن المغيرة . انظر أسباب النزول : 295 في سورة المدّثّر ، وإعلام الورى 110 : 1 - 112 . ( لجنة التحقيق ) .