وهل نعرف من الطبيعة مثالا يكون فيه التضاد والصراع بين الأضداد عامل تنمية حقّاً ؟ وكيف يساهم الضدّ في تنمية ضدّه عن طريق الصراع معه ، مع أنّ هذا الصراع يعني درجةً من المقاومة والرفض ، وكل مقاومة تنقص من طاقة الطرف الآخر على التحرّك والنموّ بدلا من أن تساعده على ذلك ؟ وكلّنا نعرف أنّ السَبّاح إذا تعرّض في سباحته لأمواج مضادّة من الماء فإنّ هذا سوف يعيقه عن التحرّك إلى درجة كبيرة بدلا عن أن يكون سبباً في التحرك .
وإذا كان الصراع بين الأضداد - بأي معنىً كان - هو الأساس في تنمية البيضة وتطويرها إلى دجاجة فأين التنمية التي يؤدّيها الصراع بين الأضداد في تحوّل الماء إلى غاز ثمّ رجوعه ماءً مرّةً أخرى ؟
والطبيعة تكشف لنا باستمرار أضداداً يؤدّي التحامها أو اللقاء بينها إلى دمارها معاً بدلا عن التطور والتكامل ، فالبروتون الموجب الذي يشكّل الحجر الأساس في نواة الذّرة ويحمل شحنةً موجبةً له بروتون مضادّ سالب ، والألكترون السالب الذي يتحرك في مدار الذرة له ألكترون مضاد موجب ، وإذا حدث أن التَقى أحد هذين الضدّين بضدّه تحدث عمليات إفناء ذرّية تختفي معها معالم المادة من الوجود ، بينما تنطلق طاقات وتنتشر في الفضاء .
نخلص من كلّ ذلك إلى أنّ حركة المادة بدون تموين وإمداد من خارج لا يمكن أن تحدث تنميةً حقيقيةً وتطوّراً إلى شكل أعلى ودرجة أكثر تركيزاً ، فلابدّ لكي تنمو المادة وترتفع إلى مستويات عُليا - كالحياة والإحساس والتفكير - من ربّ يتمتّع بتلك الخصائص ليستطيع أن يمنحها للمادة ، وليس دور المادة في عمليات النموّ هذه إلّا دور الصلاحية والتهيّؤ والإمكان ، دور الطفل الصالح والمتهيِّئ لتقبّل الدرس من مربّيه ، فتبارك الله ربّ العالمين .
الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 62
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٦٢