ما ذكروه يوجب أن يكون الامر أيضا مستغنيا عن التحديد كاستغناء الخبر . وهذا
القائل بعينه قد عرف الامر بالتحديد ، حيث قال : الامر هو طلب الفعل بالقول
على سبيل الاستعلاء . وأيضا فإن الكلام إنما هو واقع في مفهوم الخبر اللفظي . وحقائق
أنواع الألفاظ وانقسامها إلى أمر ونهى وخبر وغير ذلك مما لا سبيل إلى القول
بكونه معلوما بالضرورة ، لكونه مبنيا على الوضع والاصطلاح .
ولهذا ، فإن العرب لو أطلقوا اسم الامر على المفهوم من الخبر الآن ، واسم الخبر
على مفهوم الامر ، لما كان ممتنعا ، وما يتبدل ويختلف باختلاف الاصطلاحات . فالعلم
بمعناه لا يكون ضروريا . وإذا عرف ذلك فقد أجمع الباقون على أن العلم بمفهوم
الخبر إنما يعرف بالحد والنظر ، لكن اختلفوا في حده ، فقالت المعتزلة كالجبائي
وابنه وأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وغيرهم : إن الخبر هو الكلام
الذي يدخله الصدق والكذب . وقد أورد عليه إشكالات أربعة :
الأول أنه منتقض بقول القائل : محمد ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة ، ولا يدخله
الصدق ، وإلا كان مسيلمة صادقا ، ولا الكذب ، وإلا كان محمد كاذبا وهو خبر ،
وكذلك ، فإن من كذب في جميع أخباره ، فقال : جميع أخباري كذب ، فإن قوله هذا
خبر ، ولا يدخله الصدق . وإلا كانت جميع أخباره كذبا ، وهو من جملة أخباره ولا يدخله
الكذب ، وإلا كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا ، وصدق في قوله جميع أخباري كذب .
الثاني : أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق والكذب يفضي إلى الدور ، لان
تعريف الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر
الموافق للمخبر ، والكذب بضده ، وهو ممتنع .
الثالث : إن الصدق والكذب متقابلان ، ولا يتصور اجتماعهما في خبر واحد . ويلزم
من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا ، وهو محال ، وإما وجود الخبر مع امتناع
اجتماع دخول الصدق والكذب فيه ، فيكون المحدود متحققا دون ما قيل بكونه حدا
له ، وهو أيضا محال .
الاحكام — صفحة 6
مساهمون: الآمدي
ص٦