وأما جواز وقوع العلم بخبر الواحد ، إذا احتفت به القرائن ، فيدل عليه أن
القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر . وذلك كما إذا رأينا إنسانا يكثر من النظر
إلى شخص مستحسن ، ، فإنا نظن حبه له . فإذا اقترن بذلك ملازمته له ، زاد ذلك
الظن ولا يزال في التزايد بزيادة خدمته له وبذل ما له وتغير حاله ، إلى غير ذلك
من القرائن ، حتى يحصل العلم بحبه له ، كما في تزايد الظن بأخبار الآحاد حتى يصير
تواترا . وكذلك علمنا بخجل من هجن ، ووجل من خوف ، باحمرار هذا ، واصفرار
هذا . وبهذا الطريق نعلم عند ارتضاع الطفل وصول اللبن إلى جوفه بكثرة امتصاصه
وازدراده ، وحركة حلقه مع كون المرأة شابة نفساء ، وبسكون الصبي بعد بكائه ،
إلى غير ذلك من القرائن .
وإذا كانت القرائن المتضافرة بمجردها مفيدة للعلم ، فلا يبعد أن تقترن بالخبر
المفيد للظن قرينة مفيدة للظن ، قائمة مقام اقتران خبر آخر به . ثم لا يزال التزايد
في الظن بزيادة اقتران القرائن إلى أن يحصل العلم ، كما في خبر التواتر .
وإذا ثبت الجواز فبيان الوقوع أنه لو أخبر واحد أن ولد الملك قد مات ، واقترن
بذلك علمنا بمرضه ، وأنه لا مريض في دار الملك سواه ، وما شاهدناه من الصراخ
العالي في داره ، والنحيب الخارج عن العادة ، وخروج الجنازة محتفة بالخدم ،
والجواري حاسرات مبرحات يلطمن خدودهن ، وينقضن شعورهن ، والملك ممزق
الثوب حاسر الرأس يلطم وجهه ، وهو مضطرب البال ، مشوش الحال ، على
خلاف ما كان من عادته من التزام الوقار والهيبة ، والمحافظة على أسباب المروءة ،
فإن كل عاقل سمع ذلك الخبر ، وشاهد هذه القرائن يعلم صدق ذلك المخبر ،
ويحصل له العلم بمخبره ، كما يعلم صدق خبر التواتر ووقوع مخبره .
وكذلك إذا أخبر واحد ، مع كمال عقله ، وحسه بحياة نفسه وكراهته للألم ،
وهو في أرغد عيشة ، نافذ الامر ، قائم الجاه أنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا ، بآلة
يقتل مثلها غالبا ، من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص ، كان خبره
مع هذه القرائن موجبا للعلم بصدقه عادة .
وكذلك ، إذا كان في جوار إنسان امرأة حامل ، وقد انتهت مدة حملها ،
فسمع الطلق من وراء الجدار ، وضجة النسوان حول تلك الحامل ، ثم سمع صراخ
الاحكام — صفحة 37
مساهمون: الآمدي
ص٣٧