المسألة الخامسة
مذهب أصحابنا أن الاستثناء من الاثبات نفي ، ومن النفي إثبات ، خلافا
لأبي حنيفة .
ودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال لا إله إلا الله كان موحدا مثبتا للألوهية
لله سبحانه وتعالى ، ونافيا لها عما سواه . ولو كان نافيا للألوهية عما سوى الرب
تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى الرب تعالى ، لما كان ذلك توحيدا لله تعالى ، لعدم
إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله تعالى ، وذلك خلاف الاجماع .
وأيضا فإنه إذا قال القائل : لا عالم في البلد إلا زيد كان ذلك من أدل الألفاظ
على علم زيد وفضيلته ، وكان ذلك متبادرا إلى فهم كل سامع لغوي ، ولو كان
نافيا للعلم عما سوى زيد ، غير مثبت للعلم لزيد ، لما كان كذلك . وعلى هذا النحو في
كل ما هو من هذا القبيل .
فإن قيل : لو كان الاستثناء من النفي إثباتا ، لكان قوله ، صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا
بطهور ، ولا نكاح إلا بولي ، ولا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء مقتضيا تحقق
الصلاة عند وجود الطهور ، والنكاح عند وجود الولي ، والبيع عند المساواة ولما لم
يكن كذلك ، علم أن المراد بالاستثناء إخراج المستثنى عن دخوله في المستثنى منه ،
وأنه غير متعرض لنفيه ولا إثباته .
قلنا : الطهور والولي والمساواة لا يصدق عليه اسم ما استثني منه ، فكان استثناء
من غير الجنس ، وهو باطل بما تقدم ، وإنما سبق ذلك لبيان اشتراط الطهور في
الصلاة ، والولي في النكاح ، والمساواة في صحة بيع البر بالبر . والشرط وإن لزم من
فواته فوات المشروط ، فلا يلزم من وجوده وجود المشروط لجواز انتفاء المقتضي
أو فوات شرط آخر ، أو وجود مانع ، والله أعلم .
الاحكام — صفحة 308
مساهمون: الآمدي
ص٣٠٨