المسألة الثامنة
نفي المساواة بين الشيئين ، كما في قوله تعالى : * ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب
الجنة ) * ( 59 ) الحشر : 20 ) يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور عند أصحابنا القائلين بالعموم ،
خلافا لأبي حنيفة ، فإنه قال : إذا وقع التفاوت ، ولو من وجه واحد ، فقد وفى
بالعمل بدلالة اللفظ .
حجة أصحابنا أنه إذا قال القائل لا مساواة بين زيد وعمرو فالنفي داخل
على مسمى المساواة ، فلو وجدت المساواة من وجه ، لما كان مسمى المساواة منتفيا ،
وهو خلاف مقتضى اللفظ .
فإن قيل الاستواء ينقسم إلى الاستواء من كل وجه ، وإلى الاستواء من بعض
الوجوه ، ولهذا يصدق قول القائل استوى زيد وعمرو عند تحقق كل واحد
من الامرين . والاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه ، ومن وجه دون وجه ،
والنفي إنما دخل على الاستواء الأعم ، فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين .
وأيضا فإنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه ، وإلا
لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لأنه ما من شيئين إلا ولا بد
من استوائهما في أمر ما ، ولو في نفي ما سواهما عنهما . ولو صدق ذلك وجب
أن يكذب عليه غير المساوي لتناقضهما عرفا . ولهذا ، فإن من قال هذا مساو
لهذا فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه والمتناقضان لا يصدقان معا ، ويلزم من
ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما غير متساويين ، وذلك باطل ، فعلم أنه لا بد
في اعتبار المساواة من التساوي من كل وجه . وعند ذلك ، فيكفي في نفي المساواة
نفي الاستواء من بعض الوجوه ، لان نقيض الكلي الموجب ، جزئي سالب ، فثبت
أن نفي المساواة لا يقتضي نفي المساواة من كل وجه .
وأيضا فإنه لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كل وجه ، لما صدق
نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا ، لأنه ما من شيئين إلا وقد استويا في أمر ما
كما سبق . وهو على خلاف الأصل ، إذ الأصل في الاطلاق الحقيقة دون المجاز .
الاحكام — صفحة 247
مساهمون: الآمدي
ص٢٤٧