ونهيا وخبرا إلى غير ذلك من أقسام الكلام ، بسبب اختلاف تعلقاته ، ومتعلقاته ، كما سبق
تقريره في أبكار الأفكار فلا يمتنع أن يكون الامر قسما من أقسامه بهذا التفسير .
وإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الامر على الفعل : هل هو حقيقة أو لا ؟
والأكثرون على أنه مجاز . واختيار أبي الحسين البصري أنه مشترك بين الشئ
والصفة ، وبين جملة الشأن والطرائق ، ووافق على أنه ليس حقيقة في نفس الفعل ،
من حيث هو فعل ، بل من حيث هو شئ .
وها نحن نذكر حجج كل فريق وننبه على ما فيها ، ونذكر بعد ذلك ما هو المختار .
أما حجة أبي الحسين البصري ، على ما ذهب إليه ، أن الانسان إذا قال هذا أمر
لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة وهو غير صحيح ، لكونه مصادرا بدعوى
التردد في إطلاق اسم الامر . ولا يخفى ظهور المنع من مدعي الحقيقة في القول المخصوص ،
وأنه مهما أطلق اسم الامر عنده ، كان المتبادر إلى فهمه القول المخصوص ، وأنه لا
ينصرف إلى غيره إلا بقرينة ولا يخفى امتناع تقرير التردد مع هذا المنع .
وأما حجج القائلين بكونه مجازا في الفعل فكثيرة .
الأولى : منها ، أنه لو كان حقيقة في الفعل مع كونه حقيقة في القول لزم منه
الاشتراك في اللفظ ، وهو خلاف الأصل ، لكونه مخلا بالتفاهم لاحتياجه في فهم
المدلول المعين منه إلى قرينة . وعلى تقدير خفائها ، لا يحصل المقصود من الكلام .
الثانية : أنه لو كان حقيقة في الفعل لا طرد في كل فعل ، إذ هو لازم الحقيقة .
ولهذا ، فإنه لما كان إطلاق اسم العالم على من قام به العلم حقيقة ، اطرد في كل
من قام به العلم ، ولما كان قوله : * ( واسأل القرية ) * ( 12 ) يوسف : 82 ) مجازا عن أهلها ، لما بينهما من
المجاورة ، لم يصح التجوز بلفظ السؤال للبساط والكوز عن صاحبه ، وإن كانت
الملازمة بينهما أشد ، وهو غير مطرد ، إذ لا يقال للاكل والشرب أمر .
الثالثة : أنه لو كان حقيقة في الفعل ، لاشتق لمن قام به منه اسم الامر ، كما
في القول المخصوص ، إذ هو الأصل ، إلا أن يمنع مانع من جهة أهل اللغة ،
الاحكام — صفحة 131
مساهمون: الآمدي
ص١٣١