وأما المعقول فمن وجهين :
الأول أن الفرع عدل ، وهو جازم بروايته عن الأصل ، والأصل غير مكذب له ، وهما
عدلان ، فوجب قبول الرواية والعمل بها .
الثاني أن نسيان الأصل للرواية لا تزيد على موته وجنونه ، ولو مات أو جن ،
كانت رواية الفرع عنه مقبولة ، ويجب العمل بها إجماعا ، فكذلك ، إذا نسي .
فإن قيل : أما الاستدلال بقضية ربيعة ، فلا حجة فيه ، لاحتمال أن سهيلا ذكر
الرواية برواية ربيعة عنه ، ومع الذكر فالرواية تكون مقبولة . ثم هو معارض بما روي
أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه أما تذكر يا أمير المؤمنين ،
لما كنا في الإبل ، فأجنبت فتمعكت في التراب ، ثم سألت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما
يكفيك أن تضرب بيديك فلم يقبل عمر من عمار ما رواه ، مع كونه عدلا
عنده ، لما كان ناسيا له .
وأما ما ذكرتموه من المعقول ، فالأصل وإن لم يكن مكذبا للفرع ، غير أن نسيانه
لما نسب إليه يجب أن يكون مانعا من العمل به ، كما لو ادعى مدع أن الحاكم حكم له
بشئ فقال الحاكم : لا أذكر ذلك ، فأقام المدعي شاهدين شهدا بذلك ، فإنه
لا يقبل . وكذلك إذا أنكر شاهد الأصل شهادة الفرع عليه على سبيل النسيان ،
فإن الشهادة لا تقبل .
والجواب عن قولهم إن سهيلا ذكر الرواية . قلنا : لو كان كذلك ، لانطوى
ذكر ربيعة ، وكان يروي عن شيخه ، كما لو نسي ، ثم تذكر بنفسه ، وأما رد عمر
لرواية عمار عند نسيانه ، فليس نظيرا لما نحن فيه . فإن عمارا لم يكن راويا عن
عمر ، بل عن النبي ، صلى الله عليه وسلم . وحيث لم يعمل عمر بروايته ، فلعله كان شاكا في روايته ،
أو كأن ذلك كان مذهبا له ، فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين على ما سيأتي
تقريره .
الاحكام — صفحة 107
مساهمون: الآمدي
ص١٠٧