تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
نعم ، لو أخذ الإنسان المادي يفكّر تفكيراً اجتماعياً ، ويعقل مصالحه بعقليةٍ جماعية ، وذابت من نفسه جميع العواطف الخاصّة والأهواء الذاتية والانبعاثات النفسية لأمكن أن يقوم نظام يذوب فيه الأفراد ، ولا يبقى في الميدان إلّاالعملاق الاجتماعي الكبير . ولكنّ تحقيق ذلك في الإنسان المادي الذي لا يؤمن إلّابحياةٍ محدودةٍ ولا يعرف معنىً لها إلّااللذّة المادية يحتاج إلى معجزةٍ تخلق الجنّة في الدنيا ، وتنزل بها من السماء إلى الأرض . والشيوعيون يَعِدوننا بهذه الجنّة ، وينتظرون ذلك اليوم الذي يقضي فيه المعمل على طبيعة الإنسان ، ويخلقه من جديدٍ إنساناً مثالياً في أفكاره وأعماله ، وإن لم يكن يؤمن بذرّةٍ من القيم المثالية والأخلاقية . ولو تحقّقت هذه المعجزة فلنا معهم حينئذٍ كلام . وأمّا الآن فوضع التصميم الاجتماعي الذي يرومونه يستدعي حبس الأفراد في حدود فكرة هذا التصميم ، وتأمين تنفيذه بقيام الفئة المؤمنة به على حمايته ، والاحتياط له بكبت الطبيعة الإنسانية والعواطف النفسية ، ومنعها عن الانطلاق بكلّ اسلوبٍ من الأساليب . والفرد في ظلّ هذا النظام وإن كسب تأميناً كاملًا وضماناً اجتماعياً لحياته وحاجاته ؛ لأنّ الثروة الجماعية تمدّه بكلّ ذلك في وقت الحاجة ولكن أليس من الأحسن بحال هذا الفرد أن يظفر بهذا التأمين دون أن يخسر استنشاق نسيم الحرّية المهذّبة ، ويضطرّ إلى إذابة شخصه في النار ، وإغراق نفسه في البحر الاجتماعي المتلاطم ؟ ! وكيف يمكن أن يطمع بالحرّية - في ميدانٍ من الميادين - إنسان حُرِم من الحرّية في معيشته ، وربطت حياته الغذائية ربطاً كاملًا بهيئةٍ معيّنة ، مع أنّ الحرّية الاقتصادية والمعيشية هي أساس الحريات جميعاً ؟ ! ويعتذر عن ذلك المعتذرون فيتساءلون : ماذا يصنع الإنسان بالحرّية والاستمتاع بحقّ النقد والإعلان عن آرائه وهو يرزح تحت عبءٍ اجتماعيٍّ