تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
فالفكرة العلمية تدور حول اكتشاف الواقع كما يجري ، والتعرّف على أسبابه ونتائجه وروابطه . فهي بمثابة منظارٍ علميٍّ للحياة الاقتصادية ، فكما أنّ الشخص حين يضع منظاراً على عينيه يستهدف رؤية الواقع دون أن يضيف اليه أو يغيِّر شيئاً ، كذلك التفكير العلمي يقوم بدور منظارٍ للحياة الاقتصادية ، فيعكس قوانينها وروابطها . فالطابع العام للفكرة العلمية هو الاكتشاف . وأمّا الفكرة المذهبية فهي ليست منظاراً للواقع ، بل هي تقدير خاصّ للموقف على ضوء تصوراتٍ عامّةٍ للعدالة . فالعلم يقول : هذا هو الذي يجري في الواقع . والمذهب يقول : هذا هو الذي ينبغي أن يجري في الواقع .

علم الاقتصاد والمذهب كالتأريخ والأخلاق :

وهذا الفرق الذي تبيّنّاه بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي - بين البحث عمّا هو كائن والبحث عمّا ينبغي أن يكون - يمكننا أن نجد نظيره بين علم التأريخ والبحوث الأخلاقية ، فإنّ علم التأريخ يتّفق مع علم الاقتصاد في خطّه العلمي العام . والبحوث الأخلاقية كالمذهب الاقتصادي في التقويم والتقدير . والناس يتّفقون عادةً على التفرقة بين علم التأريخ والبحوث الأخلاقية . فهم يعرفون أنّ علماء التأريخ يحدّثونهم - مثلًا - عن الأسباب التي أدّت إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية في أيدي الجرمان ، والعوامل التي دعت إلى شنّ الحملات الصليبية على فلسطين وفشلها جميعاً ، والظروف التي ساعدت على اغتيال قيصر وهو في قمّة انتصاره ومجده ، أو على قتل عثمان بن عفّان والثورة عليه . كلّ هذه الأحداث يدرسها علم التأريخ ، ويكتشف أسبابها وروابطها ، مع