أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً »
« 1 » .
وتعني المسؤولية من ناحيةٍ أخرى أنّ الإنسان كائن حرّ ؛ إذ بدون الاختيار والحرّية لا معنى للمسؤولية ، ومن أجل ذلك كان بالإمكان أن يستنتج من جعل اللَّه خليفةً على الأرض أنّه يجعل الكائن الحرّ المختار ، الذي بإمكانه أن يصلح في الأرض وبإمكانه أن يفسد أيضاً ، وبإرادته واختياره يحدِّد ما يحقِّقه من هذه الإمكانات :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً »
« 2 » .
وأكبر الظنِّ أنّ هذه الحقيقة هي التي أثارت في نفوس الملائكة المخاوف من مصير هذه الخلافة وإمكانية انحرافها عن الطريق السويّ إلى طريق الفساد وسفك الدماء ؛ لأنّ صلاح المسيرة البشرية لمّا كان مرتبطاً بإرادة هذا الإنسان الخليفة ولم يكن مضموناً بقانونٍ قاهرٍ - كما هي الحالة في كلّ مجالات الطبيعة - فمن المتوقّع أن تجد إمكانيةُ الإفساد والشرّ مجالًا لها في الممارسة البشرية على أشكالها المختلفة . وكأنّ الملائكة هالَهم أن توجد لأوّل مرّةٍ طاقة محايدة يتعادل فيها الخير والشرّ ولا تُضبط وفقاً للقوانين الطبيعيّة والكونية الصارمة التي تسيّر الكون بالحكمة والتدبير ، وفضّلوا على ذلك الكائن الذي يولد ناجزاً مصمَّماً لا فراغ في سلوكه ، تتحكّم فيه باستمرار قوانين الكون كما تتحكّم في الظواهر الطبيعية .
ومن هنا قدَّموا أنفسهم كبديلٍ عن الخليفة الجديد ، ولكن فاتهم أنّ الكائن الحرّ الذي جعله اللَّه تعالى خليفةً في الأرض لا تعني حرّيته إهمال اللَّه تعالى له ،
هامش
( 1 ) النساء : 97
( 2 ) الإنسان : 3