فالمنع عن اكتناز النقود وإلغاء الفائدة يقضي على دور المصارف الرأسماليّة في إيجاد التناقض والإخلال بالتوازن الاجتماعي ، وينتزع منها قدرتها على اقتناص الجزء الكبير من ثروة البلاد ، الأمر الذي تمارسه تلك المصارف في البلاد الرأسماليّة عن طريق تشجيع الناس على الادّخار وإغرائهم بالفائدة .
وينتج عن الموقف الإسلامي طبيعيّاً : عدم قدرة رأس المال الفردي غالباً على التوسّع في حقول الإنتاج والتجارة بالدرجة التي تضرّ التوازن ؛ لأنّ توسّع الأفراد في مشاريع الإنتاج والتجارة إنّما يعتمد في مجتمعٍ كالمجتمع الرأسمالي على المصارف الرأسماليّة التي تمدّ تلك المشاريع بحاجتها إلى المال ، نظير فائدة محدّدة . فإذا منع الاكتناز وحرّمت الفائدة لم يتيسّر للمصارف أن تكدّس في خزائنها النقد بشكل هائل ، ولا أن تمدّ المشاريع الفرديّة بالقروض . فتبقى النشاطات الخاصّة على الصعيد الاقتصادي في الحدود المعقولة التي تواكب التوازن العامّ ، وتترك - طبيعيّاً - المشاريع الكبرى في الإنتاج إلى الملكيّات العامّة .
وتشريع أحكام الإرث الذي تقسَّم التركة بموجبه غالباً على عدد من الأقرباء الورثة يعتبر ضماناً آخر للتوازن ؛ لأنّه يفتّت الثروات باستمرار ويحول دون تكدّسها عن طريق تقسيمها على الأقرباء ، وفقاً لما تقرّره أحكام الميراث .
ففي نهاية كلّ جيل تكون ثروات الأفراد الأغنياء قد قُسّمت غالباً على مجموعة أكبر عدداً منهم ، وقد يبلغ المالكون الجدد للثروة المتروكة أضعاف ملّاكها الأوّلين .
والصلاحيّات الممنوحة للدولة لملء منطقة الفراغ لها أثر كبير في حماية التوازن ، كما سنجد في البحث المقبل .
وكذلك إلغاء الاستثمار الرأسمالي للثروات الطبيعيّة الخام يعبّر عن وضع
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 ) — صفحة 797
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٧٩٧