تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
طريق الحسّ . وما دامت المسألة الإلهية مسألة غيبية وراء حدود الحسّ والتجربة ، فيجب أن نطرحها جانباً ، وننصرف إلى ما يمكن الظفر به في الميدان التجريبي من حقائق ومعارف . . . نقف عندهم لنسألهم : ماذا تريدون بالتجربة ؟ وماذا تعنون برفض كلّ عقيدة لا برهان عليها من الحسّ ؟ فإن كان فحوى هذا الكلام أنّهم لا يؤمنون بوجود شيء ما لم يحسّوا بوجوده إحساساً مباشراً ، ويرفضون كلّ فكرة ما لم يدركوا واقعها الموضوعي بأحد حواسّهم ، فقد نسفوا بذلك الكيان العلمي كلّه ، وأبطلوا جميع الحقائق الكبرى المبرهن عليها بالتجربة التي يقدّسونها ؛ فإنّ إثبات حقيقة علمية بالتجربة ليس معناه الإحساس المباشر بتلك الحقيقة في الميدان التجريبي . ف ( نيوتن ) - مثلًا - حين وضع قانون الجاذبية العامة على ضوء التجربة ، لم يكن قد أحسّ بتلك القوّة الجاذبية بشيء من حواسه الخمس ، وإنّما استكشفها عن طريق ظاهرة أخرى محسوسة ، لم يجد لها تفسيراً إلّابافتراض وجود القوّة الجاذبة . فقد رأى أنّ السيّارات لا تسير في خطّ مستقيم ، بل تدور دوراناً ، وهذه الظاهرة لا يمكن أن تتمّ - في نظر نيوتن - لو لم تكن هناك قوّة جاذبة ؛ لأنّ مبدأ ( القصور الذاتي ) يقضي بسير الجسم المتحرّك في اتّجاه مستقيم ما لم يفرض عليه أسلوب آخر من قوّة خارجية . فانتهى من ذلك إلى قانون الجاذبية الذي يقرّر أنّ السيّارات تخضع لقوّة مركزية ، هي الجاذبية . وإن كان يعني هؤلاء - الذين ينادون بالتجربة ويقدّسونها - نفس الأسلوب الذي تمّ به علمياً استكشاف قوى الكون وأسراره ، وهو : درس ظاهرة محسوسة ثابتة بالتجربة ، واستنتاج شيء آخر منها استنتاجاً عقلياً ، باعتباره التفسير الوحيد لوجودها ، فهذا هو أسلوب الاستدلال على المسألة الإلهية تماماً ؛ فإنّ التجارب الحسّية والعلمية قد أثبتت أنّ جميع خصائص المادّة الأصلية ، وتطوّراتها