تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥

التأرجح بين التناقض والعلّية :

بالرغم من أنّ الماركسية اتّخذت من تناقضات الديالكتيك شعاراً لها في بحوثها التحليلية لكلّ مناحي الكون والحياة والتأريخ ، لم تنج بصورة نهائية من التذبذب بين تناقضات الديالكتيك ومبدأ العلّية ، فهي بوصفها ديالكتيكية تؤكّد أنّ النموّ والتطوّر ينشأ عن التناقضات الداخلية كما مرّ مشروحاً في البحوث السابقة ، فالتناقض الداخلي هو الكفيل بأن يفسّر كلّ ظاهرة من الكون دون حاجة إلى سبب أعلى . ومن ناحية أخرى تعترف بعلاقة العلّة والمعلول ، وتفسّر هذه الظاهرة أو تلك بأسباب خارجية ، وليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها . ولنأخذ مثالًا لهذا التذبذب من تحليلها التأريخي ، فهي بينما تصرّ على وجود تناقضات داخلية في صميم الظواهر الاجتماعية كفيلة بتطويرها ضمن حركة ديناميكية ، تقرّر من ناحية أخرى أنّ الصرح الاجتماعي الهائل يقوم كلّه على قاعدة واحدة ، وهي : قوى الانتاج ، وأنّ الأوضاع الفكرية والسياسية وما إليها ليست إلّابنىً فوقية في ذلك الصرح ، وانعكاسات بشكل وآخر لطريقة الانتاج التي قام البناء عليها ، ومعنى هذا : أنّ العلاقة بين هذه البنى الفوقية وبين قوى الانتاج هي علاقة معلول بعلّة ، فليس هناك تناقض داخلي وإنّما توجد علّية « 1 » . وكأنّ الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح بين التناقضات الداخلية ومبدأ العلّية ، وحاولت أن توفّق بين الأمرين ، فأعطت العلّة والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً ، ورفضت مفهومها الميكانيكي ، وسمحت لنفسها على هذا الأساس أن
هامش
( 1 ) لأجل التوضيح يراجع بحث المادّية التأريخية من كتاب ( اقتصادنا ) للمؤلّف . ( المؤلّف قدس سره )