تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
مثالي ، وإذا أردت أن ترفض المثالية والذاتية ، وتؤمن بواقع موضوعي مستقلّ عن ال ( أنا ) ، فليس عليك إلّاأن تأخذ بالمفهوم المادّي للعالم ، وتعتقد أنّ المادّة هي المبدأ الأوّل ، وأنّ الفكر والشعور ليس إلّاانعكاساً لها ودرجة خاصّة من تطوّرها . وهذا لا يتّفق مع الواقع مطلقاً كما عرفنا ؛ فإنّ الواقعية ليست وقفاً على المفهوم المادّي ، كما أنّ المثالية أو الذاتية ليست هي الشيء الوحيد الذي يعارض المفهوم المادّي ، ويقف أمامه على الصعيد الفلسفي ، بل يوجد مفهوم آخر للواقعية ، هو : المفهوم الواقعي الإلهي الذي يعتقد بواقع خارجي للعالم والطبيعة ، ويرجع الروح والمادّة معاً إلى سبب أعمق فوقهما جميعاً . الثاني - ما اتّهم به بعض الكتّاب المفهوم الإلهي : من أنّه يجمّد مبدأ العلّية في دنيا الطبيعة ، ويلغي قوانينها ونواميسها التي يكتشفها العلم وتزداد وضوحاً يوماً بعد يوم ، فهو في زعمهم يربط كلّ ظاهرة وكلّ وجود بالمبدأ الإلهي . وقد لعب هذا الاتّهام دوراً فعّالًا في الفلسفة المادّية ، حيث اعتبرت فكرة اللَّه هي فكرة وضع السبب المعقول لما يشاهده الإنسان من ظواهر الطبيعة وحوادثها ، ومحاولة لتبرير وجودها ، فتزول الحاجة إليها تماماً حين نستطيع أن نستكشف بالعلم والتجارب العلمية حقيقة الأسباب والقوانين الكونية التي تتحكّم في العالم ، وتتولّد باعتبارها الظواهر والحوادث . وساعد على تركيز هذا الاتّهام ما كانت تلعبه الكنيسة في بداية النهضة العلمية في أوروبا ، من أدوار خبيثة في محاربة التطوّر العلمي ، ومعارضة ما يكشفه العلم من أسرار الطبيعة ونواميسها . والحقيقة : أنّ المفهوم الإلهي للعالم لا يعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعية ، أو التمرّد على شيء من حقائق العلم الصحيح ، وإنّما هو المفهوم الذي يعتبر اللَّه سبباً أعمق ، ويحتّم على تسلسل العلل والأسباب أن يتصاعد إلى قوّة فوق الطبيعة والمادّة . وبهذا يزول التعارض بينه وبين كلّ حقيقة علمية تماماً ؛ لأنّه