تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
فيجب - إذن - لأجل رفض تلك النزعات حقّاً ، أن تأخذ الماركسية ( الحقيقة ) بمفهومها الواقعي الذي ترتكز عليه الفلسفة الواقعية ؛ حتّى يمكن اعتبارها فلسفة واقعية مؤمنة بالقيم الموضوعية للفكر حقّاً . وإذا عرفنا المفهوم الواقعي الصحيح ( للحقيقة ) ، حان لنا أن نتبيّن ما إذا كان من الممكن ( للحقيقة ) بهذا المفهوم الذي تقوم على أساسه الواقعية أن تتطوّر وتتغيّر بحركة صاعدة كما تعتقد الماركسية أو لا ؟ إنّ ( الحقيقة ) لا يمكن أن تتطوّر وتنمو ، وأن تكون محدودة في كلّ مرحلة من مراحل تطوّرها بحدود تلك المرحلة الخاصّة ، بل لا تخرج الفكرة - كلّ فكرة - عن أحد أمرين : فهي إمّا حقيقة مطلقة وإمّا خطأ . وأنا أعلم أنّ هذه الكلمات تثير اشمئزاز الماركسيين ، وتجعلهم يقذفون الفكر الميتافيزيقي بما تعوّدوا إلصاقه به من تهم ، فيقولون : إنّ الفكر الميتافيزيقي يجمد الطبيعة ويعتبرها حالة ثبات وسكون ؛ لأنّه يعتقد بالحقائق المطلقة ، ويأبى عن قبول مبدأ التطوّر والحركة فيها ، وقد انهار مبدأ الحقائق المطلقة تماماً باستكشاف تطوّر الطبيعة وحركتها . ولكنّ الواقع الذي يجب أن يفهمه قارئنا العزيز : أنّ الإيمان بالحقائق المطلقة ورفض التغيّر والحركة فيها ، لا يعني مطلقاً تجميد الطبيعة ، ولا ينفي تطوّر الواقع الموضوعي وتغيّره . ونحن في مفاهيمنا الفلسفية نعتقد بأنّ التطوّر قانون عام في عالم الطبيعة ، وأنّ كينونته الخارجية في صيرورة مستمرّة ، ونرفض في نفس الوقت كلّ توقيت للحقيقة وكلّ تغيّر فيها . ولنفرض - لإيضاح ذلك - أنّ سبباً معيّناً جعل الحرارة تشتدّ في ماء خاصّ ، فحرارة هذا الماء بالفعل في حركة مستمرّة وتطوّر تدريجي . ومعنى ذلك : أنّ كلّ درجة من الحرارة يبلغها الماء فهي درجة موقّتة ، وسوف يعبرها الماء
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 214 | السيد محمد باقر الصدر