تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
واختلافها في كثير من الأحايين . بل لا يمكن البت - حينئذٍ - بحقيقة مهما كانت ، ما لم تمرّ بتجربة اجتماعية طويلة الأمد . ومعنى ذلك : أنّ ( جيمس ) نفسه لا يمكنه أن يعتبر مذهبه ( البراجماتزم ) صحيحاً ما لم يمرّ بهذه التجربة ، ويثبت جدارته في الحياة العملية . وهكذا يوقف المذهب نفسه . ثالثاً - أنّ وجود مصلحة للإنسان في صدق فكرة ما ، لا يكفي لإمكان التصديق بها . فالملحد لا يمكنه أن يصدّق بالدين ولو آمن بدوره الفعّال في تسلية الإنسان ، وإنعاش آماله ومؤاساته في حياته العملية . فهذا ( جورج سنتيانا ) يصف الإيمان بأ نّه « غلطة جميلة ، أكثر ملاءمة لنوازع النفس من الحياة نفسها » « 1 » . فليس التصديق بفكرة نظير الألوان الأخرى من النشاط العملي التي يمكن للإنسان أن يقوم بها إذا تحقّق من فائدتها . وهكذا يقوم ( البراجماتزم ) على عدم التفرقة بين التصديق ( النشاط الذهني الخاصّ ) ومختلف النشاطات العملية التي يباشرها الإنسان على ضوء مصالحه وفوائده . ونخلص من هذه الدراسة إلى أنّ المفهوم الوحيد ( للحقيقة ) الذي يمكن للفلسفة الواقعية اتّخاذه ، هو : ( الفكرة المطابقة للواقع ) . والماركسية التي تنادي بإمكان المعرفة الحقيقية ، وترفض لأجل ذلك النزعات التصوّرية والشكّية والسفسطائية ، إن كانت تعني ب ( الحقيقة ) مفهوماً آخر غير مفهومها الواقعي ، فهي لا تتعارض مع تلك المذاهب مطلقاً ؛ لأنّ مذاهب الشكّ والسفسطة إنّما ترفض ( الحقيقة ) بمعنى الفكرة المطابقة للواقع ، ولا ترفض لفظ ( الحقيقة ) بأيّ مفهوم كان . فلا يمكن للماركسية أن تبرأ من نزعات الشكّ والسفسطة لمجرّد اتّخاذ لفظ ( الحقيقة ) وبلورته في مفهوم جديد .
هامش
( 1 ) قصّة الفلسفة الحديثة 2 : 402