المخالفة في وقت آخر لاحتمال أن يكون في مهلة النظر . وقد ظهر له الدليل عند
ذلك . ويدل على ظهور هذا الاحتمال إظهاره للمخالفة . فإنه لو كان سكوته عن
موافقة ودليل ، لكان الظاهر عدم مخالفته لذلك الدليل . وأما إن حدث تابعي
مخالف ، مع إصرار الباقين على السكوت ، فالظاهر أنه لا يعتد بمخالفته في مقابلة
الاجماع الظاهر .
احتج المخالفون بالنص والآثار والمعقول :
أما النص فقوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ) * ( 2 ) البقرة : 143 )
ووجه الدلالة أنه جعلهم حجة على الناس ، ومن جعل إجماعهم مانعا لهم من
الرجوع ، فقد جعلهم حجة على أنفسهم .
وأما الآثار ، فمنها ما روي عن علي ، عليه السلام ، أنه قال اتفق رأيي ورأي
عمر على أن لا تباع أمهات الأولاد ، والآن فقد رأيت بيعهن ، أظهر الخلاف بعد
الوفاق ، ودليله قول عبيدة السلماني :
رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك . وقول عبيدة دليل سبق الاجماع .
ومنها أن عمر خالف ما كان عليه أبو بكر والصحابة في زمانه من التسوية في
القسم ، وأقره الصحابة أيضا على ذلك .
ومنها أن عمر حد الشارب ثمانين ، وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه
من الحد أربعين .
وأما المعقول ، فمن أربعة أوجه .
الأول أن إجماعهم ربما كان عن اجتهاد وظن ، ولا حجر على المجتهد إذا تغير
اجتهاده ، وإلا كان الاجتهاد مانعا من الاجتهاد ، وهو ممتنع . وذلك ، لان العادة
جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون أوضح وأصح .
ويدل عليه قوله تعالى : * ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) * ( 11 ) هود : 27 )
جعلوا بادي الرأي ذما وطعنا ، فلا يجوز أن يكون محكما على الرأي الثاني .
الوجه الثاني أنه لو لم تعتبر المخالفة في عصرهم ، لبطل مذهب المخالف لهم في
عصرهم بموته ، لان من بقي بعده كل الأمة ، وذلك خلاف الاجماع .
الاحكام — صفحة 258
مساهمون: الآمدي
ص٢٥٨