تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاحكام — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
المخالفة في وقت آخر لاحتمال أن يكون في مهلة النظر . وقد ظهر له الدليل عند ذلك . ويدل على ظهور هذا الاحتمال إظهاره للمخالفة . فإنه لو كان سكوته عن موافقة ودليل ، لكان الظاهر عدم مخالفته لذلك الدليل . وأما إن حدث تابعي مخالف ، مع إصرار الباقين على السكوت ، فالظاهر أنه لا يعتد بمخالفته في مقابلة الاجماع الظاهر . احتج المخالفون بالنص والآثار والمعقول : أما النص فقوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ) * ( 2 ) البقرة : 143 ) ووجه الدلالة أنه جعلهم حجة على الناس ، ومن جعل إجماعهم مانعا لهم من الرجوع ، فقد جعلهم حجة على أنفسهم . وأما الآثار ، فمنها ما روي عن علي ، عليه السلام ، أنه قال اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا تباع أمهات الأولاد ، والآن فقد رأيت بيعهن ، أظهر الخلاف بعد الوفاق ، ودليله قول عبيدة السلماني : رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك . وقول عبيدة دليل سبق الاجماع . ومنها أن عمر خالف ما كان عليه أبو بكر والصحابة في زمانه من التسوية في القسم ، وأقره الصحابة أيضا على ذلك . ومنها أن عمر حد الشارب ثمانين ، وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه من الحد أربعين . وأما المعقول ، فمن أربعة أوجه . الأول أن إجماعهم ربما كان عن اجتهاد وظن ، ولا حجر على المجتهد إذا تغير اجتهاده ، وإلا كان الاجتهاد مانعا من الاجتهاد ، وهو ممتنع . وذلك ، لان العادة جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون أوضح وأصح . ويدل عليه قوله تعالى : * ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) * ( 11 ) هود : 27 ) جعلوا بادي الرأي ذما وطعنا ، فلا يجوز أن يكون محكما على الرأي الثاني . الوجه الثاني أنه لو لم تعتبر المخالفة في عصرهم ، لبطل مذهب المخالف لهم في عصرهم بموته ، لان من بقي بعده كل الأمة ، وذلك خلاف الاجماع .
الاحكام — صفحة 258 | الآمدي / عبد الرزاق عفيفي