وعن الشبهة الخامسة : إنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب ، فلا
يلزم أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا . ولهذا ، فإن فعله للمندوبات كان
أغلب من فعله للواجبات ، بل فعله للمباحات كان أغلب من فعله للمندوبات . وعن
ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على الغالب منها
وعن شبه القائلين بالندب .
أما الآية ، فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب .
وأما الشبهة العقلية : فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات ، بل المباح . ولا نسلم
أن المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره .
وأما شبهة الإباحة : فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه السلام
قصد التقرب به ،
وأما ما ظهر معه قصد التقرب به ، فيمتنع أن يكون مباحا بمعنى نفي الحرج
عن فعله وتركه . فإن مثل ذلك لا يتقرب به . وذلك مما يجب حمله على ترجيح
جانب الفعل على الترك ، على ما قررناه .
وأما الواقفية : فإن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بإيجاب ولا ندب إلا أن يقوم
الدليل على ذلك ، فهو الحق وهو عين ما قررناه . وإن أرادوا به أن الثابت أحد
هذه الأمور ، لكنا لا نعرفه بعينه فخطأ . فإن ذلك يستدعي دليلا ، وقد بينا أنه لا دلالة
للفعل على شئ سوى ترجيح الفعل على الترك ، عندما إذا ظهر من النبي عليه السلام
قصد التقرب بفعله ، أو نفي الحرج مطلقا ، عندما إذا لم يظهر منه قصد القربة .
والأصل عدم دليل سوى الفعل . والله أعلم .
الاحكام — صفحة 185
مساهمون: الآمدي
ص١٨٥